قصة تأسيس مستشفى أبو زعبل: 200 عام على قصر العيني وبداية الطب الحديث في مصر
قصة تأسيس مستشفى أبو زعبل: 200 عام على قصر العيني

في إطار سلسلة «قصة 200 عام: قصر العيني قوة مصر الناعمة ومحرك النهضة الطبية في العالم»، تبرز إحدى أهم المحطات التأسيسية في تاريخ الطب الحديث في مصر، والتي انطلقت من قلب منطقة «الخانكة»، حيث كانت الشرارة الأولى عبر إنشاء مستشفى أبو زعبل.

بداية القصة في عهد محمد علي باشا

تعود القصة إلى عهد محمد علي باشا، الذي سعى إلى بناء جيش نظامي حديث، فاختار منطقة الخانكة لتكون مقرًا للمعسكر الرئيسي، نظرًا لموقعها الاستراتيجي وهواءها النقي الذي يقي الجنود من أوبئة العاصمة.

دور الطبيب الفرنسي كلوت بك

في هذا السياق، برز دور الطبيب الفرنسي كلوت بك، الذي أدرك أهمية إنشاء مؤسسة طبية متكاملة تخدم هذا الجيش. وبنظرة استشرافية، اختار كلوت بك موقعًا في قرية «أبو زعبل» كان يضم أطلالًا قديمة تُستخدم كثكنات لسلاح الفرسان، ليحولها إلى مستشفى حديث.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تصميم المستشفى

لم يكتفِ كلوت بك بترميم المباني القائمة، بل أمر بهدم بعض المنشآت، وشرع في تشييد مبنى جديد وفق تصميم هندسي متطور، جاء على هيئة مربع ضخم يبلغ طول ضلعه نحو 200 متر، وبارتفاع محسوب عن سطح الأرض لحمايته من الرطوبة. اعتمد التصميم على توزيع العنابر بشكل منظم في الأجنحة المختلفة، حيث ضم كل عنبر نحو 50 سريرًا، مع توفير تهوية وإضاءة طبيعية عبر نوافذ مرتفعة، بما يضمن بيئة صحية للمرضى.

المرافق والتجهيزات

خصص الجناح الغربي للمدخل الرئيسي، وضم مرافق إدارية وخدمية، إلى جانب العيادات الخارجية ومخازن الأدوية وأماكن استقبال الضباط المرضى. وفي إطار التكامل الطبي والعلمي، تم إنشاء حدائق داخلية زُرعت بالنباتات الطبية النادرة، بإشراف خبراء متخصصين، كما أُقيمت منشآت خدمية متكاملة شملت الصيدلية والمطابخ والحمامات والمشرحة، فضلًا عن نظام متكامل لتوفير المياه.

مركز علمي ودعم دولي

لم يقتصر دور المستشفى على العلاج، بل تحول إلى مركز علمي يضم متحفًا للتاريخ الطبيعي ومكتبة طبية ثرية بالكتب المترجمة والمؤلفات الحديثة. وحظي هذا المشروع بدعم دولي، حيث أُضيفت إلى مقتنياته مجموعات علمية أوروبية، من بينها مقتنيات مهداة من ملك فرنسا، ما جعله منافسًا لمتاحف طبية كبرى في أوروبا. كما أُحيط المستشفى بمساحات خضراء مخصصة لزراعة الخضراوات وأشجار الفاكهة، لتوفير بيئة صحية للمرضى.

إرث مستشفى أبو زعبل

ورغم انتقال مدرسة الطب لاحقًا إلى قصر العيني، ظل مستشفى أبو زعبل يمثل النواة الأولى التي انطلقت منها مسيرة الطب الحديث، حيث جمع بين الانضباط العسكري والدقة العلمية، في تجربة فريدة عكست طموح الدولة آنذاك. وقد خُلد هذا الإنجاز بلوحة تأسيسية من الرخام، نُقشت عليها قصيدة باللغة التركية العثمانية، تمجد إنجازات محمد علي باشا، وتؤرخ لبناء هذه المنشأة، مستخدمة أسلوب «تاريخ المادة» لتحديد سنة الإنشاء، في توثيق يجمع بين الفن والتاريخ، ويظل شاهدًا على مرحلة فارقة في مسيرة النهضة الطبية في مصر.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي