التهديد الصامت: ثلاثة فطريات خارقة تهدد المستشفيات العالمية
دقّ خبراء الصحة حول العالم ناقوس الخطر بشكل عاجل، بعد رصد ارتفاع مقلق ومتسارع في حالات العدوى الفطرية داخل المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية. وتتصاعد المخاوف من انتشار سلالات فطرية جديدة تتمتع بمقاومة شديدة للأدوية المتاحة، مما قد يحولها إلى تهديد صحي عالمي خطير، خاصة في ظل صعوبة علاجها وارتفاع معدلات الوفاة المرتبطة بها بشكل ملحوظ.
دراسة علمية تكشف عن الارتفاع الصامت
وبحسب دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة Nature Medicine المرموقة، بمشاركة عشرات الباحثين والمتخصصين من مختلف الدول، فإنّ المستشفيات باتت تواجه ما وصفوه بـ "الارتفاع الصامت للفطريات الخطيرة". هذه الفطريات تتسلل بخبث إلى وحدات العناية المركزة والأجنحة الطبية، وتهاجم بشكل خاص المرضى الأكثر ضعفًا وهشاشة، مثل كبار السن وذوي المناعة المنخفضة.
ثلاثة أنواع رئيسية تمثل الخطر الأكبر
وحذّر العلماء في الدراسة التفصيلية من ثلاثة أنواع رئيسية من الفطريات القاتلة التي باتت تمثل الخطر الأكبر على الصحة العامة في البيئات الطبية. هذه الأنواع هي:
- Candida auris
- Trichophyton indotineae
- Aspergillus fumigatus
وأكد الباحثون في الوقت ذاته أنّ هذه الفطريات لا تمثل تهديدًا كبيرًا أو مباشرًا للأشخاص الأصحاء ذوي المناعة القوية، لكنها قد تكون قاتلة بشكل سريع لمرضى ضعف المناعة، خاصة في بيئات المستشفيات المغلقة حيث تنتشر العدوى.
فطر Candida auris: الخطر الأكثر إثارة للقلق
يُعتبر فطر Candida auris من أخطر السلالات الفطرية وفقًا لتقييم العلماء، نظرًا لقدرته الفائقة على البقاء حيًا ونشطًا لفترات طويلة جدًا على الأسطح المختلفة مثل الأسرة الطبية والأدوات والمعدات الطبية. كما يتميز هذا الفطر بمقاومته للمطهرات والمطهرات الشائعة الاستخدام، ويتسلل إلى جسم الإنسان عبر الجروح المفتوحة أو الأجهزة الطبية المزروعة.
وحال دخوله إلى مجرى الدم، قد ينتشر بسرعة إلى الدماغ والرئتين وأعضاء حيوية أخرى، مع معدل وفيات مرتفع يصل إلى نحو ثلث المصابين به. وتشير البيانات الصادرة عن وكالة الأمن الصحي في المملكة المتحدة (UK Health Security Agency) إلى تسجيل 212 حالة إصابة جديدة في إنجلترا خلال عام 2024 فقط، ليصل العدد التراكمي للإصابات إلى 862 حالة منذ بداية الرصد في 2013.
كما سُجلت 115 حالة وفاة مرتبطة مباشرة بهذه العدوى الفطرية الخطيرة، مما دفع السلطات الصحية إلى جعل الإبلاغ عن هذا الفطر إلزاميًا في إنجلترا منذ عام 2025، في محاولة جادة للسيطرة على انتشاره وتفشيه.
عدوى جلدية صامتة تنتشر عالميًا بسرعة
وفي المقابل، ينتشر فطر Trichophyton indotineae بشكل صامت ولكنه سريع، وهو يسبب عدوى جلدية شديدة تشبه في أعراضها "القوباء الحلقية"، وتصبح علاجها بشكل متزايد أكثر صعوبة وتعقيدًا. وقد ارتفعت عدد الحالات المسجلة في بريطانيا وأيرلندا من 44 حالة فقط قبل عام 2022، إلى 258 حالة مؤكدة بحلول شهر مارس 2025، مما يعكس بوضوح سرعة انتشاره عالميًا وتوسعه الجغرافي.
خطر كامن في الهواء والتربة
أما فطر Aspergillus fumigatus، فهو موجود بشكل طبيعي في التربة والهواء والمواد العضوية المتحللة، وينتقل إلى البشر عبر الأبواغ المجهرية التي يستنشقها الأشخاص. وقد يسبب هذا الفطر مرضًا رئويًا مزمنًا حادًا يهدد الحياة، مع معدل وفاة مرتفع يصل إلى 60% من الحالات.
وخلال جائحة كورونا العالمية، أصيب نحو ثلث مرضى الحالات الحرجة بعدوى هذا الفطر الخطير، مما زاد من تعقيد حالتهم الصحية وأطال فترة علاجهم.
السبب الخفي: الزراعة والمبيدات الفطرية
وتشير الدراسة العلمية إلى أنّ جذور المشكلة لا تقتصر على المستشفيات وحدها، بل تبدأ من البيئة المحيطة، حيث تُستخدم مبيدات فطرية بكثافة في الزراعة تشبه في تركيبها الكيميائي الأدوية البشرية المضادة للفطريات. هذا التشابه يؤدي إلى تطور سلالات فطرية مقاومة في البيئة قبل وصولها حتى إلى الإنسان والمستشفيات.
وقد صنّفت منظمة الصحة العالمية (WHO) نحو 19 نوعًا مختلفًا من الفطريات ضمن قائمة مسببات الأمراض ذات الأولوية العالية، داعية جميع الدول إلى تعزيز أنظمة المراقبة والبحث العلمي في هذا المجال الحيوي.
وأكد خبراء الصحة العالمية أنّ تجاهل مشكلة مقاومة مضادات الفطريات قد يؤدي إلى تكرار أزمة مقاومة المضادات الحيوية بشكل خطير، مما يجعل بعض أنواع العدوى الفطرية غير قابلة للعلاج تمامًا في المستقبل القريب، وهو سيناريو كارثي يجب تجنبه بكل السبل.



