وزير الزراعة الطياري يطالب بتقليل الأسمدة: كارثة غذائية أم جهل علمي؟
وزير الزراعة الطياري يطالب بتقليل الأسمدة

في الدول التي تحترم الزراعة، يجلس على مقعد وزير الزراعة رجل يعرف الفرق بين السماد والمبيد، وبين النيتروجين والفوسفور، وبين خصوبة التربة وشعارات المؤتمرات. أما عندنا، فيبدو أن الأمر أصبح مجرد تصريحات إنشائية براقة تصلح للنشر على صفحات السوشيال ميديا أكثر مما تصلح لإدارة ملف هو الأخطر في حياة المصريين: ملف الغذاء.

تصريح يثير الجدل

خرج علينا وزير الزراعة بتصريح يطالب فيه بتقليل الاعتماد على الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية، وكأنه يتحدث عن رفاهية يمكن الاستغناء عنها، لا عن عناصر هي أساس الحياة النباتية نفسها! هذا التصريح يكشف ببساطة الفرق بين الوزير المتخصص، الذي يفهم طبيعة الأرض والمحصول، وبين الوزير الطياري الذي هبط بالبراشوت على رأس وزارة لا يعرف عن عملها شيئا مطلقا، لأنه ببساطة اتدبس فيها! ولذلك فهو يتحدث عن الزراعة كما يتحدث أي موظف علاقات عامة عن التنمية والاستدامة والتحول الأخضر.

النيتروجين: روح النبات

يا سيادة الوزير: خبراء الزراعة الذين أذهلتهم توجيهاتك الجبارة يؤكدون أن النيتروجين ليس إضافة رفاهية يمكن تقليلها بقرار إداري أو جملة إعلامية. النيتروجين هو روح النبات. هو المسؤول عن النمو الخضري، ولون النبات، وقوة المحصول، والإنتاجية. وهو أصلاً غير موجود بالكميات الكافية في التربة الزراعية، ولذلك يُضاف مع كل عروة صيفية وشتوية منذ أن عرف الإنسان الزراعة. لا يوجد عنصر يحل محل النيتروجين. كما لا يمكن علاج مريض الأنيميا بالكالسيوم بدل الحديد، ولا علاج هشاشة العظام بالحديد بدل الكالسيوم. لكل عنصر وظيفة محددة خلقها الله له، سواء في جسم الإنسان أو النبات.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الفوسفور: أساس الجذور والإزهار

أما الفوسفور، فهو المسؤول عن نمو الجذور والطاقة والإزهار والتبكير في النضج. فكيف يخرج مسؤول عن الزراعة ليطالب بتقليل الاعتماد على عناصر هي أصل العملية الزراعية نفسها؟! والأغرب أن الفلاح المصري البسيط، الذي يقف في طوابير الجمعيات الزراعية بحثًا عن الكيماوي، يفهم هذه الحقيقة أكثر ممن يجلس على كرسي الوزارة. الفلاح يعرف أن نقص السماد يعني محصولًا ضعيفًا وخسارة مؤكدة. ولهذا تصرخ الحقول كل موسم بسبب نقص الأسمدة وارتفاع أسعارها، بينما تأتي التصريحات الرسمية وكأن المشكلة ليست نقص السماد.. بل استخدامه أصلًا!

الزراعة علم وليست إدارة

هذه هي الكارثة الحقيقية حين يتحول المنصب من موقع علمي إلى موقع إداري. الزراعة ليست وزارة يمكن إدارتها بالشعارات والكلمات الدبلوماسية. الزراعة علم. كيمياء. تربة. فسيولوجيا نبات. احتياجات محصول. ميزان دقيق بين العناصر الكبرى والصغرى. وأي عبث بهذا الميزان يدفع ثمنه الفلاح والمستهلك والدولة كلها. الوزير المتخصص حين يتحدث، يطمئن المزارع. أما غير المتخصص، فتتحول تصريحاته إلى مادة للسخرية والغضب داخل كل حقل وكل جمعية زراعية في مصر.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

أسئلة بلا إجابة

ويبقى السؤال: إذا كنا سنقلل الاعتماد على الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية.. فمن سيقوم بوظيفتها يا سيادة الوزير؟! وهل اكتشفنا فجأة قانونًا جديدًا للطبيعة لا يعرفه علماء الزراعة في العالم كله؟!