أعاد تفشي فيروس هانتا على متن سفينة سياحية تضم عشرات الركاب من جنسيات متعددة، شبح الأوبئة العالمية إلى الواجهة، وأثار مخاوف من تكرار سيناريوهات الإغلاق والعزل التي عاشها العالم خلال جائحة كوفيد-19.
وبينما يؤكد خبراء الصحة أن الوضع لا يزال تحت السيطرة، فإن قدرة بعض سلالات الفيروس على الانتقال بين البشر، وغياب لقاح أو علاج فعال، يضعان العالم أمام اختبار صحي جديد شديد الحساسية.
تقييم الخبراء للوضع الحالي
بحسب مقال رأي كتبته رئيسة قسم الصحة العامة العالمية في كلية الطب بجامعة إدنبرة ومؤلفة كتاب "كيف لا تموت مبكرا جدا" ديفي سريدهار: فإن "التغطيات المثيرة وبعض الطروحات الغريبة على وسائل التواصل الاجتماعي، تجعل كثيرين يشعرون بالارتباك حيال ما يحدث".
تقول سريدهار وهي عالمة أمريكية بارزة في مجال الصحة العامة: دعوني أبدأ بالقول إن هذا ليس وباء كوفيد جديدا؛ إذ إن "كوفيد" كان حالة استثنائية لن تتكرر بسهولة. فقد تم احتواء تفشيات فيروس هانتا السابقة، رغم أن أيا منها لم يحدث على متن سفينة سياحية. ولذلك، وحتى الآن، يظل الخطر على عامة الناس منخفضا.
إصابات فيروس هانتا تحدث باستمرار
تضيف العالمة الأمريكية: نراقب ما إذا كانت ستظهر إصابات جديدة خارج المجموعة الأصلية على متن السفينة إم في هونديوس، وهذه الإصابات الجديدة ستكون المؤشر الحاسم الذي سيحدد ما إذا كنا سنشهد انتشارا أوسع وتحذيرات صحية أشد، أم أننا وصلنا بالفعل إلى نهاية هذا التفشي.
وتتابع: أول ما ينبغي معرفته هو أن إصابات فيروس هانتا تحدث باستمرار حول العالم، لكنك ببساطة لا تسمع عنها. وربما لم تسمع أيضا عن تفشي سلالة "أنديز" من الفيروس في الأرجنتين عام 2018، والذي أسفر عن 34 إصابة مؤكدة و11 وفاة.
و"ما يجعل التفشي الحالي فريدا وجديرا بالاهتمام الإعلامي هو وقوعه على متن سفينة سياحية تقل نحو 150 شخصا من 23 جنسية مختلفة. فالسفن السياحية معروفة بصعوبة السيطرة على الأوبئة فيها، بسبب ظروف المعيشة المتقاربة، والتوقف المتكرر في موانئ مختلفة، والطبيعة العالمية لحركة الركاب، وصعوبة إدارة استجابة صحية عامة فعالة بمجرد اكتشاف الفيروس على متن السفينة"، بحسب سريدهار.
مخاوف من السلالة "أنديز"
تقول مؤلفة كتاب "كيف لا تموت مبكرا جدا": هنا يبرز السؤال الصعب هو: هل تبقي الجميع على متن السفينة، مع خطر إصابة مزيد من الأشخاص ومرضهم؟ أم تنقلهم إلى بلدانهم، مع احتمال انتشار العدوى في دولهم الأصلية؟ في هذه الحالة، كان عدد من الركاب قد غادروا السفينة بالفعل قبل اكتشاف التفشي، واستقلوا رحلات تجارية إلى أوطانهم، ما يعني وجود احتمال لتعرض أوسع للفيروس. لكننا لن نعرف الحقيقة الكاملة إلا خلال الأسابيع المقبلة.
وتتابع: عندما ذكر فيروس هانتا لأول مرة، كان خبراء الصحة العامة يأملون ألا تكون السلالة هي "أنديز"، لأنها قادرة على الانتقال من إنسان إلى آخر، وقد تسببت سابقا في أحداث "انتشار فائق". ويضاف إلى ذلك أن فترة حضانتها تتراوح بين أسبوع وثمانية أسابيع، ما يعني أن نتيجة الفحص السلبية اليوم لا تعني أن الشخص غير مصاب، فقد تظهر عليه الأعراض ويصبح معديا لاحقا.
وبعيدا عن المقال، فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية أن سلالة فيروس "هانتا" المكتشفة بين الحالات المرتبطة بتفشي المرض على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس" هي سلالة "الأنديز" القابلة للانتقال بين البشر، موضحة أن إجمالي الحالات حتى 13 مايو الجاري بلغ 11 حالة، بينها 3 وفيات، مع تأكيد مخبري لـ8 حالات، ووجود حالتين محتملتين وحالة غير محسومة في الولايات المتحدة.
وذكرت المنظمة أن جميع الإصابات وقعت على متن السفينة، وأن معدل الوفيات الحالي بلغ نحو 27%؛ فيما أكدت الوكالة الأوروبية للصحة عدم وجود مؤشرات تدعو إلى الظن أن سلالة الأنديز للفيروس المذكور قد تحورت إثر تفشي الفيروس على السفينة السياحية وتسببه بوفيات.
غياب اللقاحات المعتمدة
تقول سريدهار: لا نملك حتى الآن لقاحا معتمدا، أو علاجا نوعيا، أو اختبارا تشخيصيا سريعا يمكن استخدامه ضد هذه السلالة. لذلك، لا يزال الاعتماد قائما على الإجراءات التقليدية للصحة العامة: العزل، والحجر الصحي، وارتداء كمامات، وقطع سلاسل العدوى.
وتتابع: سنعرف خلال أيام عدد الأشخاص الآخرين الذين أصيبوا على متن السفينة، لذا من المتوقع ظهور مزيد من الحالات الإيجابية. كما سنعرف خلال أسابيع ما إذا كان المخالطون الثانويون -على متن الرحلات الجوية أو في أماكن أخرى- قد أُصيبوا من الركاب الذين غادروا السفينة قبل اكتشاف التفشي. وحتى الآن لم تسجل أي إصابات من هذا النوع، وهي إشارة مطمئنة، لكن الوقت ما زال مبكرا.
توفير الدعم اللوجستي والطبي والنفسي
ووفق المقال الذي نشرته "ذا جارديان"، تشدد سريدهار على ضرورة توفير الدعم اللوجستي والطبي والنفسي للعائدين إلى بلدانهم، حتى يتمكنوا من الالتزام بفترة الحجر الصحي الكاملة التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، ومدتها 42 يوما، وألا ينقلوا العدوى إلى المخالطين المقربين منهم، مثل أفراد الأسرة والأصدقاء الذين قد يرغبون في لقائهم. فمع طول فترة الحضانة، قد تظهر حالات جديدة بعد شهر أو شهرين، بما يعني سلاسل عدوى إضافية تحتاج إلى احتواء.
وتضيف: نحن هنا أمام وضع فريد يعتمد على قدرة 23 حكومة مختلفة على إدارة عودة مواطنيها بنجاح، خصوصا أن الأمور زادت تعقيدا بسبب أن الولايات المتحدة كانت تقليديا تقود تحقيقات واستجابات تفشي الأوبئة عبر مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها؛ لكن واشنطن انسحبت مؤخرا من منظمة الصحة العالمية، وأقالت جميع مفتشي السفن السياحية التابعين للمراكز الأمريكية.
دعوات لتسريع دراسات اللقاحات
ومع ذلك، يحسب لمنظمة الصحة العالمية أنها تولت قيادة الاستجابة، بالتعاون مع طاقم السفينة وعدة حكومات، لتنسيق استجابة متماسكة ومتكاملة. فجميع هذه الدول تستقبل مواطنيها العائدين، ومن المفترض أن تلتزم جميعها ببروتوكول احتواء موحد، وفق المقال.
وتختتم سريدهار مقالها قائلة: حتى إذا ظهرت إصابات إضافية، فإن العلماء يعملون بالفعل على إيجاد حلول؛ إذ يجري تسريع دراسات اللقاحات، وفحص أدوية قائمة قد تكون فعالة ضد فيروس هانتا، واختبار وسائل تشخيص جديدة. وربما يساعدك إدراك أن بعضا من ألمع العقول في العالم يعملون حاليا لإيجاد حلول، على النوم بهدوء أكبر ليلا.



