مظاهر الرفق بالحيوان عند الذبح.. دار الإفتاء توضح الأحكام والآداب
مظاهر الرفق بالحيوان عند الذبح من دار الإفتاء

ورد سؤال إلى دار الإفتاء المصرية من شخص يقول: "يدعي بعض الناس أن الطريقة التي يتم بها ذبح الحيوانات فيها نوع من الوحشية وخالية من الرحمة، لكونها تشتمل على تعذيب الحيوان قبل ذبحه. فكيف يمكن الرد على ذلك؟" وقد جاء رد الدار موضحًا مظاهر الرفق بالحيوان عند الذبح في الإسلام.

الرفق بالحيوان في الإسلام

أوضحت دار الإفتاء أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء رحمة للعالمين، كما في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، والعالمون يشملون جميع المخلوقات: الإنس والجن والملائكة والحيوان والجماد. وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم معنى الرحمة وبعثه الله ليوضح للناس معنى "بسم الله الرحمن الرحيم".

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أرحم الخلق بالخلق، وأكثر الناس رحمة بالحيوان، وحث على الرفق به والإحسان إليه، وحرم تعذيبه البدني أو النفسي. وحذر من اتخاذ ذبحه مبررًا لإيذائه ومضاعفة ألمه، فأوجب إحسان الذبح في آلته وهيئته وسرعته ووقته وأثناء الذبح وقبله وبعده.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مظاهر الرفق بالحيوان عند الذبح

أوجب الشرع إحداد الشفرة حتى لا تكون كالة، وأمر بإراحة المذبوح وأن يساق برفق، وأمر بمواراة الشفرة عنه، وبمواراته عن بقية الحيوانات التي يراد ذبحها، وأن يكون الذبح بأسرع ما يمكن لتقليل ألمه. ونهى أن يبلغ الذبح إلى النخاع، وحرم قطع الرأس قبل خروج الروح، وحرم إصابة الحيوان أو الطائر بأي ألم أو أذى يمكن تلافيه، ونهى عن أخذ الأم من أولادها أو أخذهم منها عند حاجتهم إليها.

فقد جعل الإحسان إلى الحيوانات ورحمتها حال الذبح فرضًا كتبه الله تعالى على ذابحها؛ فعن شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه).

وجعل شعور الذابح برحمة الحيوان المذبوح مستجلبًا لرحمة الله تعالى له؛ فعن معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، أو قال: إني لأرحم الشاة أن أذبحها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «والشاة إن رحمتها رحمك الله» (رواه أحمد وصححه الحاكم).

وراعى الشعور النفسي للحيوان المذبوح؛ فنهى عن سن السكين أمام بصره، وأمر بالإسراع في الذبح وعدم التلكؤ فيه؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصره، فقال: «أفلا قبل هذا! أتريد أن تميتها موتتين! هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها!» (رواه الطبراني وصححه الحاكم).

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحد الشفار، وأن توارى عن البهائم، وإذا ذبح أحدكم فليجهز" (أخرجه أحمد وابن ماجه). ورأى عمر رضي الله عنه رجلاً قد وضع رجله على شاة وهو يحد السكين، فضربه حتى أفلت الشاة (ذكره ابن قدامة في المغني).

ونهى في حال الذبح أن يبلغ به إلى نخاعها، وحرم بعد الذبح كسر عنقها وإبانة رأسها قبل تمام زهوق روحها؛ حذرًا من مضاعفة ألمها وازدياد الكرب عليها؛ فروى البخاري معلقًا عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما نهى عن النخع، يقول: "يقطع ما دون العظم، ثم يدع حتى تموت". والنخع: أن يبلغ بالذبح إلى النخاع.

قال الإمام الشافعي في الأم: "نهى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النخع، وأن تعجل الأنفس أن تزهق، والنخع: أن يذبح الشاة ثم يكسر قفاها من موضع الذبح لنخعه ولمكان الكسر فيه، أو تضرب ليعجل قطع حركتها، فأكره هذا، وأن يسلخها أو يقطع شيئًا منها ونفسها تضطرب، أو يمسها بضرب أو غيره حتى تبرد ولا يبقى فيها حركة".

وقال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: "والنخع: قطع نخاع الشاة؛ وهو خيط عنقها الأبيض الداخل في القفا". وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الذبيحة أن تفرس قبل أن تموت" (أخرجه ابن الجعد والطبراني وابن عدي والبيهقي). والفرس: هو كسر رقبة الذبيحة قبل إزهاق الروح.

الرفق بالحيوان في السنة النبوية

جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرًا فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث، يأكل الثرى من شدة العطش قال: لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي، فسقى الكلب! فشكر الله له، فغفر له» قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: «في كل كبد رطبة أجر».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به» (رواه البخاري). ومعنى الركية: البئر.

وروى البخاري وغيره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض».

وبهذا يتضح أن الإسلام قد أولى اهتمامًا كبيرًا بالرفق بالحيوان، خاصة عند الذبح، وجعل ذلك من الإحسان الذي أمر الله به، وأن الذبح بطريقة صحيحة وفق السنة النبوية يضمن تقليل ألم الحيوان وتحقيق الرحمة به.