يُعد انتشار الكلاب الضالة في مصر أحد أبرز التحديات الصحية والبيئية والاقتصادية التي تواجه البلاد خلال السنوات الأخيرة. وتُقدَّر أعدادها رسميًا بما بين 12 و14 مليون كلب وفقًا لبيانات وزارة الزراعة، بينما تشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أن العدد قد يتراوح بين 15 و40 مليون كلب، مع معدل زيادة سنوي يُقدَّر بنحو 20 إلى 25%.
أسباب الانتشار المتسارع
يرجع هذا الانتشار المتسارع إلى عدة عوامل، أبرزها تراكم القمامة في المناطق العشوائية، والتخلص غير المنظم من مخلفات الطعام، إلى جانب القدرة العالية للكلاب على التكاثر؛ إذ يمكن للأنثى أن تلد من 10 إلى 12 جروًا مرتين أو ثلاث مرات سنويًا. وقد تفاقمت الظاهرة بشكل ملحوظ عقب أحداث عام 2011، مع التوسع في المناطق العشوائية وضعف السيطرة على منظومة إدارة النفايات.
تتركز بؤر الانتشار الرئيسية في القاهرة الكبرى، خاصة الأحياء الشعبية والمناطق الصحراوية الطرفية مثل التجمع الخامس والشيخ زايد، بالإضافة إلى محافظات الجيزة والقليوبية والإسكندرية والبحيرة والدقهلية ومحافظات الصعيد، حيث تتوافر مصادر الغذاء الناتجة عن تراكم القمامة والأسواق غير المنظمة.
مشكلة كبرى بين مخاطر السعار واختلال التوازن البيئي
تتسبب هذه الظاهرة في أضرار بشرية جسيمة. فقد سجلت وزارة الصحة نحو 1.4 مليون حالة عقر خلال عام 2025، مقارنة بـ1.2 مليون حالة في عام 2024. وتُعزى نحو 90% من حالات الإصابة بمرض السعار، وهو مرض قاتل، إلى الكلاب الضالة. وتبلغ تكلفة علاج الحالة الواحدة حوالي 1250 جنيهًا تشمل اللقاحات والأمصال، ما يرفع حجم الخسائر الاقتصادية المباشرة إلى نحو 1.7 مليار جنيه خلال عام 2025 فقط.
كما تتحمل الدولة أعباء إضافية تتمثل في توفير الأمصال واللقاحات مجانًا للمواطنين، بتكلفة تُقدَّر بنحو 1.2 مليار جنيه سنويًا. ولا تقتصر الخسائر على تكاليف العلاج فحسب، بل تمتد إلى خسائر غير مباشرة تشمل انخفاض الإنتاجية نتيجة التغيب عن العمل، وتأثر النشاط السياحي بسبب مخاوف الزوار، فضلًا عن الآثار النفسية على الأطفال والمصابين، إلى جانب مخاطر الإصابة بأمراض أخرى مثل داء الليبتوسبيروز.
عوامل تفاقم الأزمة
تتعدد أسباب عدم القدرة على السيطرة على الظاهرة، من بينها محدودية برامج التعقيم؛ إذ تم تعقيم 8311 كلبًا فقط خلال عام 2025 مقابل تحصين نحو 121 ألف كلب. كما تسهم عوامل أخرى في تفاقم الأزمة، مثل نقص التمويل، وقلة الكوادر البيطرية المدربة، وغياب قاعدة بيانات دقيقة، والاعتماد التاريخي على أساليب الإعدام الجماعي التي أثبتت عدم فعاليتها على المدى الطويل. كذلك يساهم بعض المواطنين، من خلال إطعام الكلاب بصورة عشوائية، في توفير بيئة تساعد على بقائها وتكاثرها.
الآثار الاقتصادية
اقتصاديًا، تمثل الأزمة عبئًا متزايدًا على الموازنة العامة للدولة. فإلى جانب تكلفة العلاج التي تُقدَّر بنحو 1.7 مليار جنيه سنويًا، تتحمل الدولة نفقات إضافية تتعلق ببرامج التحصين والتعقيم وإنشاء الملاجئ وحملات التوعية، ما يرفع إجمالي الخسائر المباشرة وغير المباشرة إلى عدة مليارات من الجنيهات سنويًا.
خيار التصدير وجدواه
أما فكرة تصدير الكلاب الضالة، فقد طُرحت باعتبارها حلًا جزئيًا في بعض المقترحات، شريطة إخضاع الحيوانات للتحصين والتعقيم الكاملين وإصدار شهادات صحية معتمدة دوليًا. وكانت الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية من أبرز الجهات المستوردة للكلاب بغرض التبني، إلا أن المخاوف المرتبطة بمرض السعار دفعت العديد من هذه الدول إلى فرض قيود أو حظر على استيراد الكلاب القادمة من مصر. كما طُرحت مقترحات للتصدير إلى بعض الدول الآسيوية، إلا أنها أثارت جدلًا أخلاقيًا وبيئيًا واسعًا. لذلك، يظل التصدير خيارًا محدود الجدوى بسبب القيود الدولية الصارمة وارتفاع تكاليف النقل والرقابة البيطرية.
الحلول المستدامة
في المقابل، فإن اللجوء إلى القضاء الشامل على الكلاب الضالة باستخدام السموم أو الرصاص قد يؤدي إلى تداعيات بيئية خطيرة. فاختفاء الكلاب بشكل مفاجئ قد يتسبب في زيادة أعداد الفئران والثعابين والقطط الضالة، ما يفاقم انتشار الأمراض ويؤدي إلى أضرار بيئية وزراعية إضافية. ويؤكد خبراء البيئة أن الكلاب الضالة تمثل جزءًا من المنظومة البيئية الحضرية، وأن إزالتها بصورة مفاجئة قد تخلق مشكلات أكثر تعقيدًا مما تحل.
من ثم، يتمثل الحل الأكثر استدامة في تنفيذ استراتيجية شاملة ضمن مبادرة «مصر خالية من السعار 2030»، تقوم على إنشاء 12 مأوى حديثًا في المحافظات الرئيسية، والتوسع في برامج التعقيم والتحصين، وتعزيز حملات التوعية المجتمعية بشأن إدارة النفايات والتعامل المسؤول مع الحيوانات. ويتطلب نجاح هذه الاستراتيجية تعاونًا وثيقًا بين الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والخبراء البيئيين، بما يحقق التوازن بين حماية الصحة العامة والحفاظ على التوازن البيئي والرفق بالحيوان.



