في الوقت الذي يسعى العالم لحماية نفسه من فيروس «الإيبولا»، حذر باحثون من تفشي فيروس «أوروبوش»، المعروف باسم «حمى الكسل»، والذي أصاب ملايين الأشخاص أكثر مما كان يُعتقد سابقًا، في ظل مؤشرات على انتشار واسع للمرض في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي على مدار العقود الماضية.
ويعد فيروس أوروبوش من الأمراض الناشئة التي لا تزال غير معروفة على نطاق واسع، إلا أنه أثار قلق الأوساط العلمية بعد موجة تفشٍ كبيرة شهدتها البرازيل، وعدد من دول أمريكا الجنوبية خلال السنوات الأخيرة.
ملايين الإصابات غير المرصودة
أصاب الفيروس نحو 9.4 مليون شخص في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي منذ عام 1960، وأشار الباحثون إلى أن نحو 5.5 مليون إصابة يُعتقد أنها حدثت في البرازيل وحدها، استنادًا إلى نماذج رياضية وبيانات تاريخية وتحليلات لعينات الدم، وفقًا لدراستين جديدتين نُشرتا في دوريتي Nature Medicine وNature Communications Medicine.
وقال خوسيه لويز بروينسا مودينا، الباحث في مختبر دراسة الفيروسات الناشئة بجامعة كامبيناس البرازيلية، إن حجم المرض أكبر بكثير مما كانت تشير إليه الإحصاءات الرسمية، موضحًا أن التقديرات تشير إلى أن حالة واحدة من كل ألف إصابة تتطور إلى مضاعفات خطيرة تشمل اضطرابات عصبية، وصغر حجم الرأس لدى الأجنة، والإجهاض، ومشكلات الكبد، ما يجعل الفيروس قضية صحية تستحق اهتمامًا أكبر.
سبب تسمية الفيروس بـ«حمى الكسل»
يحمل المرض لقب «حمى الكسل» لأنه ينتشر في دورته الطبيعية بين الحيوانات البرية، وخاصة حيوان الكسلان، قبل أن ينتقل أحيانًا إلى البشر عبر ذباب صغير لاذع يُعرف باسم «البارود» أو «الذباب القارص». ويتميز هذا الذباب بصغر حجمه الشديد، إذ يبلغ حجمه نحو ثلث حجم البعوضة العادية، ما يجعله أكثر صعوبة في الرصد والمكافحة.
أعراض فيروس «أوروبوش»
تبدأ أعراض المرض عادة بعد فترة تتراوح بين 4 إلى 8 أيام من التعرض للدغة الحشرة المصابة، وتشمل الأعراض الحمى والصداع وآلام العضلات والمفاصل والغثيان والقيء والقشعريرة والحساسية للضوء. ويصف بعض الأطباء الألم المصاحب للمرض، أنه شديد لدرجة تدفع المصاب إلى الانحناء أو طي جسمه من شدة المعاناة، وهو ما ساهم في انتشار وصفه أنه فيروس «يطوي الجسم على نفسه»، وفي معظم الحالات تختفي الأعراض خلال أسبوع، إلا أن بعض المرضى يعانون من عودة الأعراض مجددًا بعد فترة قصيرة.
مضاعفات خطيرة للفيروس
ورغم أن أغلب الإصابات تكون خفيفة أو متوسطة، فإن بعض الحالات تتطور إلى مضاعفات خطيرة، وتشمل هذه المضاعفات التهاب السحايا أو التهاب الدماغ والأغشية المحيطة به، وهي حالات قد تهدد الحياة. وربطت دراسات حديثة بين الإصابة بالفيروس أثناء الحمل وحدوث تشوهات خلقية وإجهاض وولادة أجنة ميتة، ما دفع السلطات الصحية إلى إصدار تحذيرات خاصة للنساء الحوامل، وسجلت البرازيل أول حالتي وفاة مرتبطتين بالفيروس في يوليو 2024.
انتشار الفيروس خارج أمريكا الجنوبية
ظل المرض لعقود محصورًا في مناطق حوض الأمازون، خاصة في البرازيل وبيرو وبوليفيا وكولومبيا والأرجنتين وبنما، لكن خلال عام 2024 تم تسجيل حالات في كوبا وبربادوس، كما ظهرت إصابات مرتبطة بالسفر في عدد من الدول الأوروبية، وسُجلت حالات وافدة في المملكة المتحدة وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وفرنسا وهولندا، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وكندا، وفي بريطانيا، أكدت السلطات الصحية إصابة ثلاثة أشخاص بالفيروس بعد عودتهم من البرازيل.
وأظهرت الدراسة أن الفيروس ينتشر غالبًا بمعدلات منخفضة تجعل اكتشافه عبر أنظمة المراقبة التقليدية أمرًا صعبًا، وكشف تحليل عينات الدم في مدينة ماناوس البرازيلية أن نسبة الأشخاص الذين يحملون أجسامًا مضادة للفيروس ارتفعت من 11.4% في أواخر عام 2023 إلى 25.7% في أواخر عام 2024، ويعني ذلك أن مئات الآلاف من الأشخاص ربما أصيبوا بالمرض دون تشخيص أو تسجيل رسمي. ويرى الباحثون أن الكثير من الإصابات تكون بلا أعراض أو بأعراض خفيفة تشبه أمراضًا استوائية أخرى مثل حمى الضنك، ما يؤدي إلى التقليل من حجم الانتشار الحقيقي.
هل ينتقل الفيروس بين البشر؟
حتى وقت قريب، كان الاعتقاد السائد أن فيروس أوروبوش ينتقل فقط عبر الحشرات الناقلة، لكن دراسة إيطالية نُشرت عام 2025 أشارت إلى إمكانية وجود الفيروس في السائل المنوي، ما أثار تساؤلات حول احتمالية انتقاله جنسيًا. ويواصل العلماء دراسة احتمالية انتقال العدوى من الأم إلى الجنين أثناء الحمل، وحتى الآن لا يوجد لقاح معتمد أو علاج مضاد للفيروسات مخصص لمرض أوروبوش. ويقتصر العلاج على تخفيف الأعراض من خلال الراحة، وشرب السوائل، واستخدام الأدوية الخافضة للحرارة والمسكنات المناسبة تحت إشراف طبي.



