لم تمضِ أيام على اندلاع شرارة الحرب الإقليمية الموسعة في الشرق الأوسط، التي بدأت بضربات أمريكية-إسرائيلية على إيران وردود طهران الانتقامية التي طالت دولًا عدة، حتى عاد الملف الكردي ليتربع على قمة المشهد. ففي الوقت الذي كان فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يغري الأكراد في العراق بشن هجوم على إيران، كانت تركيا تراقب المشهد بقلق بالغ.
التشجيع الأمريكي للأكراد
نشرت وكالة "رويترز" تقريرًا يكشف تفاصيل التشجيع الأمريكي للأكراد على الانخراط في القتال. وبالنسبة لأنقرة، التي تخوض صراعًا وجوديًا مع حزب العمال الكردستاني، لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء أي سيناريو قد يؤدي إلى تمكين الحركات الكردية المسلحة على حدودها الجنوبية، سواء في سوريا أو العراق. فبالنسبة لصانع القرار في أنقرة، هذه ليست مجرد تطورات عابرة في حرب إقليمية، بل هي تهديد مباشر لأمنها القومي يستوجب الرد.
حرب إيران واللعبة الكردية
بالتزامن مع بدء الحملة الجوية الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، كشف تقرير لوكالة "رويترز" أن الرئيس ترامب صرح قائلًا: "أعتقد أنه من الرائع أن يفعلوا ذلك، وسأكون معه بالكامل"، في إشارة إلى رغبته في أن تشن القوات الكردية المتمركزة في العراق هجومًا بريًا داخل إيران. هذا الموقف ليس مفاجئًا لمن يتابع الاستراتيجية الأمريكية التي تسعى لتوظيف الأكراد كقوة برية بديلة في الصراع ضد طهران، وهو ما أكدته تقارير أخرى تحدثت عن تقديم واشنطن "غطاء جويًا واسعًا" وعمليات تسليح سريعة.
لكن هذا السيناريو هو كابوس حقيقي لأنقرة، التي تجد نفسها أمام معضلة وجودية. فمن جهة، هي حليف في الناتو، ومن جهة أخرى، ترى أن أي تمكين عسكري للجماعات الكردية، وتحديدًا حزب الحياة الحرة الكردستاني الذي يُعتبر الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني، هو بمثابة تهديد مباشر لأمنها. وقد عبرت تركيا عن هذا الموقف بوضوح، حيث صرحت وزارة الدفاع التركية بأن "أنشطة الجماعات الكردية المسلحة والانفصالية تمثل تهديدًا لأمن إيران واستقرار المنطقة"، مؤكدة أنها تتابع هذه التحركات "عن كثب". بالنسبة لتركيا، لا يوجد فرق بين حزب العمال الكردستاني وحزب الحياة الحرة الكردستاني ووحدات حماية الشعب في سوريا، فجميعها يشكل، في نظرها، تنظيمًا إرهابيًا واحدًا يهدد وحدة أراضيها. ولذلك فإن أي مكسب لهذه الجماعات في إيران سيكون له ارتدادات فورية على الجبهتين السورية والعراقية.
محاولة فرض أمر واقع من سوريا للعراق
تدرك أنقرة أن الفوضى التي تعم المنطقة على وقع الحرب على إيران قد تخلق فراغًا أمنيًا تستغله الجماعات الكردية المسلحة لمحاولة فرض أمر واقع جديد، وهو ما ترفضه تركيا رفضًا قاطعًا. ففي سوريا، أكد وزير الخارجية هاكان فيدان تحذيرًا سابقًا له بأن أي محاولة من الأكراد أو غيرهم للسعي إلى الحكم الذاتي ستُعتبر "تهديدًا مباشرًا لأمننا القومي وسنتدخل". وفي العراق، تجاوزت تركيا لغة التصريحات الدبلوماسية إلى التلويح العلني بالخيار العسكري.
ففي فبراير من عام 2026، لوّحت تركيا بتنفيذ عملية عسكرية في قضاء سنجار شمال العراق، تستهدف ما تبقى من وجود لحزب العمال الكردستاني. وتصاعد الموقف أكثر في مارس مع "مخاوف تركية من تحركات مسلحين أكراد على الحدود مع إيران". وفي هذا السياق، نقلت مصادر عن تلويح أنقرة بالتدخل العسكري في شمال العراق "على غرار ما قامت به في سوريا"، في حال انخرط مسلحو الحزب في الصراع الدائر. هذه التهديدات ليست مجرد مناورات سياسية، بل هي امتداد لعقيدة أمنية راسخة تقوم على ضرورة محاربة "الإرهاب" في منبعه قبل أن يصل إلى حدودها.
رسالة تركية واضحة
أنقرة تعي أن أي تحول في ميزان القوى لصالح الجماعات الكردية المسلحة في العراق أو سوريا على إثر هذه الحرب، سيُعتبر إعادة رسم لخريطة التهديدات على حدودها. لذلك، فإن الرسالة التركية واضحة: إذا كانت الحرب الإقليمية ستغير قواعد اللعبة، فإن تركيا مستعدة لاستخدام قوتها العسكرية لضمان ألا يكون الأكراد الطرف المستفيد من هذا التغيير، وأنها لن تسكت على الإطلاق عن أي تهديد وجودي يستهدف أمنها القومي.



