لم يعد الحديث عن إصلاح التشريعات الخاصة بالمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في مصر مجرد استجابة لتقارير دولية، بل تحول إلى ركيزة أساسية لتعزيز مؤشرات الحوكمة الرشيدة ودعم الاستقرار الاقتصادي والتنموي. وتتجلى هذه الفلسفة في التحركات الأخيرة للمجلس القومي لحقوق الإنسان تحت قبة البرلمان، مستهدفة تفكيك العقبات التشريعية التي تواجه عمله، بما يضمن صياغة بيئة قانونية مستقلة قادرة على مواكبة المعايير الدولية الحاكمة، وتحويل الملف الحقوقي إلى أداة جذب استثماري وبناء ثقة مع الشركاء الدوليين عبر انتهاج الشفافية والاعتراف بأوجه القصور لمعالجتها بآليات منضبطة.
كواليس اجتماع لجنة حقوق الإنسان تحت قبة الشيوخ
شهد اجتماع لجنة حقوق الإنسان والتضامن الاجتماعي بمجلس الشيوخ، برئاسة الدكتور عبد الهادي القصبي، نقاشات موسعة ركزت على تطوير الإطار التشريعي المنظم لعمل المجلس القومي لحقوق الإنسان؛ حيث طرح محمد أنور السادات، نائب رئيس المجلس، أهمية إدخال تعديلات جذرية على القانون الحالي لتمكينه من أداء دوره الوطني في حماية الحقوق وبناء الوعي المجتمعي بها. ودعا السادات إلى توسيع مساحات المشاورات وجلسات الاستماع المشتركة مع مجلس الشيوخ لإثراء المنظومة التشريعية بالخبرات الفنية المتنوعة، لافتًا إلى أن اللقاءات السابقة مع اللجان المختصة بمجلس النواب وضعت ملفات الموازنة المالية والاختصاصات القانونية على طاولة المراجعة لضمان مرونة الحركة وكفاءة الأداء الميداني.
توسيع التحالفات مع المجتمع المدني
وامتدت الرؤية التفسيرية لعمل المجلس لتشمل صياغة خريطة تحالفات أوسع مع قوى المجتمع المدني، من خلال فتح قنوات حوار وتشاور مستدامة مع كافة المنظمات والمدافعين عن الحقوق، سواء العاملين داخل الدولة أو خارجها، بهدف استيعاب مختلف الرؤى وفك التشابكات التقليدية. ويأتي ذلك في إطار سعي المجلس لتعزيز دوره الرقابي والاستشاري، وبناء جسور ثقة مع جميع الأطراف المعنية بحقوق الإنسان.
ضوابط الحقوق المدنية والاقتصادية
وأكدت الطاولة المستديرة بالشيوخ أن النظرة المعاصرة للملف الحقوقي تتجاوز النمط التقليدي المحصور في الحقوق المدنية والسياسية، لتمتد بقوة نحو صون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مضافًا إليها الحق في التنمية؛ حيث ينشغل المجلس حاليًا بإعداد حزمة من التقارير والدراسات النوعية المتخصصة التي تلامس قضايا الحريات العامة، وملفات اللجوء، ورصد التحديات القائمة بكل موضوعية. وتهدف هذه الدراسات إلى تقديم توصيات عملية تساهم في تحسين أوضاع حقوق الإنسان في مصر.
يمكن القول إن قيمة هذا الحراك البرلماني تتلخص في كونه يربط بوضوح بين سيادة القانون وبين تحسين مناخ الأعمال والاستثمار في مصر؛ فالأطروحات التي قدمها حزب السادات وقيادات المجلس تكشف عن قناعة راسخة بأن تحسين مؤشرات الحوكمة وحصانة الحريات يمثلان التزامًا دستوريًا وضمانة مباشرة لتحفيز الاقتصاد القومي، مما يتطلب من اللجان التشريعية سرعة الاستجابة لصياغة قانون جديد يمنح المجلس الاستقلالية الكاملة، ويؤهله لإنتاج تقارير شفافة تعزز مكانة القاهرة في المحافل الحقوقية الدولية وتدعم مسار التنمية الشاملة.



