لم يكن صباح التاسع والعشرين من يونيو عام 2015 يوماً عادياً في شوارع مصر الجديدة. دقائق معدودة كانت تفصل المستشار هشام بركات عن الوصول إلى مقر عمله، بينما كانت سيارة مفخخة تتربص به على جانب الطريق، تحمل رسالة دموية من جماعة تعودت على مواجهة القانون بالعنف والعدالة بالرصاص.
ذكرى ثورة 30 يونيو واستحضار الشهداء
مع اقتراب ذكرى ثورة 30 يونيو من كل عام، يعود إلى الأذهان اسم المستشار هشام بركات، النائب العام الذي دفع حياته ثمناً لمواقفه الحازمة في مواجهة الإرهاب. فقد اغتالته عناصر متطرفة، في وقت كانت البلاد تحتفل بالذكرى الثانية للثورة التي أنهت حكم جماعة الإخوان وفتحت صفحة جديدة في تاريخ مصر.
معركة مصيرية ضد الإرهاب
في تلك الفترة، كانت مصر تخوض معركة مصيرية ضد الإرهاب، ولم يقتصر الاستهداف على رجال الجيش والشرطة فقط، بل امتدت مخططات الجماعة إلى القضاة ورموز العدالة الذين وقفوا في وجه العنف والتطرف تحت مظلة القانون. وعندما دوى الانفجار في شارع عمار بن ياسر بمصر الجديدة، أدرك الجميع أن المستهدف هذه المرة ليس النائب العام فحسب، بل أحد أبرز رجال العدالة في مصر، الذي أشرف على ملفات وقضايا شكلت ضربة قوية للتنظيمات الإرهابية بعد ثورة 30 يونيو.
جريمة اغتيال ليست الأولى
جريمة اغتيال هشام بركات لم تكن الأولى من نوعها في تاريخ الجماعة الإرهابية. فقبلها بسنوات طويلة، شهدت مصر جريمة أخرى استهدفت أحد رجال القضاء بسبب أحكامه ومواقفه. ففي الثاني والعشرين من مارس عام 1948، خرج المستشار أحمد الخازندار من منزله بحلوان متجهاً إلى مقر عمله كعادته. كان ينظر في قضايا متهم فيها عناصر من جماعة الإخوان بتورطهم في أعمال عنف وتفجيرات، دون أن يعلم أن قرار اغتياله قد صدر بالفعل.
تشابه الجريمتين عبر سبعة عقود
على بعد خطوات من منزله، باغته اثنان من عناصر التنظيم بوابل من الرصاص، فسقط غارقاً في دمائه أمام أعين زوجته، في واحدة من أشهر جرائم الاغتيال التي استهدفت القضاء المصري. ورغم أن بين الجريمتين نحو سبعة عقود كاملة، فإن التفاصيل تكاد تكون متشابهة: قاضٍ يؤدي رسالته في تطبيق القانون، وجماعة ترى في العدالة خطراً على مشروعها فتقرر التخلص منه بالسلاح.
مسيرة المستشار هشام بركات
ولد المستشار هشام بركات في 21 نوفمبر 1950، وتخرج في كلية الحقوق عام 1973، ثم التحق بالنيابة العامة وتدرج في مختلف المناصب القضائية حتى أصبح رئيساً للمكتب الفني بمحكمة استئناف القاهرة. وفي العاشر من يوليو 2013، تولى منصب النائب العام بعد أيام من ثورة 30 يونيو، ليجد نفسه في قلب المواجهة مع أخطر موجات الإرهاب التي شهدتها البلاد.
عامان من المواجهة
على مدار عامين كاملين، أشرف على تحقيقات وقضايا تتعلق بالعناصر والتنظيمات الإرهابية، وظل يؤدي واجبه حتى اللحظة الأخيرة من حياته. وفي صباح التاسع والعشرين من يونيو 2015، انفجرت السيارة المفخخة أثناء مرور موكبه، فأصيب بإصابات بالغة نقل على إثرها إلى المستشفى، قبل أن يعلن استشهاده متأثراً بجراحه.
خلود الذكرى
رحل هشام بركات، كما رحل من قبله أحمد الخازندار، لكن بقيت الجريمتان شاهدتين على تاريخ طويل من استهداف الإرهاب لرجال العدالة، وبقيت أسماؤهم محفورة في ذاكرة الوطن كرموز دفعوا حياتهم دفاعاً عن الدولة.



