الشهيد الصائم: محطات بطولية في حياة النقيب أحمد حسين جودة
الشهيد الصائم: محطات في حياة النقيب أحمد حسين جودة

الشهيد الصائم: محطات بطولية في حياة النقيب أحمد حسين جودة

في شهر رمضان المبارك، تتجدد حكايات الأبطال وتفوح من سيرهم رائحة الجنة، وشهيدنا اليوم ارتقى إلى الرفيق الأعلى وهو صائم، كأنه كان على موعد محتوم مع القدر، مؤمنًا بأن الجنة في انتظاره. إنه البطل النقيب أحمد حسين جودة، أحد شهداء عملية حق الشهيد الأولى التي نفذها الجيش المصري ضد العناصر الإرهابية والتكفيرية التي حاولت العبث بأمن سيناء، فتصدى لها أبطال القوات المسلحة بكل شجاعة وإصرار، حتى تم تطهير الأرض والدفاع عن ترابها الطاهر.

الميلاد والنشأة

وُلد الشهيد أحمد حسين جودة في الأول من يناير عام 1990 بقرية سامول التابعة لمركز المحلة الكبرى في محافظة الغربية. نشأ بين أهل قريته معروفًا بهدوئه وأدبه الرفيع، وتمتع منذ صغره بأخلاق الفرسان ونبل الطباع. التحق بالكلية الحربية المصرية، وتخرج فيها عام 2012 ضمن الدفعة 105 حربية، متخصصًا في سلاح المشاة. حصل على العديد من الفرق المتخصصة في الصاعقة والهاون، كما نال شهادة معهد المشاة بتقدير جيد جدًا، مما يعكس تفوقه الأكاديمي والعسكري.

صفاته بين زملائه

كان النقيب أحمد جودة ضابطًا جريئًا ومضحّيًا بحياته، متفوقًا في دراسته حيث كان من بين العشرة الأوائل على دفعته. طلب الذهاب إلى سيناء بإرادته الحرة، ولم يكتفِ بذلك، بل استأذن والده أولًا من باب الأدب والاحترام، قائلًا: "أنا عاوز أروح علشان ما أسيبش زمايلي لوحدهم… واللي هيمشي على واحد منا يمشي علينا كلنا." حاول والده ثنيه عن قراره، لكنه أصرّ على أداء واجبه الوطني بكل إخلاص.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

كمين الجورة.. ساحة البطولة

توجه الشهيد إلى شمال سيناء، وانضم إلى كمين الجورة، وكان من أوائل الضباط الذين خدموا فيه. شارك في العديد من العمليات النوعية، وكان ضمن قوة يقودها البطل الشهيد محمد هارون. كان بين الأبطال انسجام نادر، وكأنهم على موعد واحد في الدنيا والآخرة، يعملون كفريق متجانس لتحقيق الأهداف.

عملية "حق الشهيد" الأولى

مع انطلاق عملية حق الشهيد الأولى، خرجت قوة بقيادة الشهيد محمد هارون إلى واحدة من أخطر المناطق، التي كانت تُعد معقلًا رئيسيًا لتنظيم داعش في سيناء. لم يكن من المخطط مشاركة النقيب أحمد جودة في التحرك، لكنّه أصرّ على المشاركة مع قوات الصاعقة، مؤكدًا أنه ليس أقل من أي مقاتل يتقدم الصفوف. بعد مناقشات، وافقت القيادة على تحرك أحد الضابطين وبقاء الآخر للدعم، فتحرك هارون وبقي جودة في موقعه.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

سرعة الدعم بقيادة جودة

خلال الاشتباكات، فوجئت القوات بهجوم كثيف من نحو 300 عنصر تكفيري في مواجهة 55 مقاتلًا فقط من أبطال الجيش، واشتدت المعركة لأكثر من ثلاث ساعات في ظل التحام مباشر منع تدخل المدفعية أو القوات الجوية. حين علم النقيب أحمد جودة بشدة الاشتباكات وخطورة الموقف، تحرك فورًا لنجدتهم، مصطحبًا دبابة من طراز M60 بطاقمها. وبمجرد وصوله، اشتدت المواجهات، وبدأ الإرهابيون يستهدفون القوات بكثافة.

لحظة الشهادة

صعد الشهيد فوق الدبابة لتوجيه الطاقم، مؤكدًا أنه تدرب على تشغيل مختلف التخصصات تحسبًا لأي طارئ، وتولى توجيه الضربات بنفسه، ونجح في إصابة أهداف مؤثرة أربكت العناصر الإرهابية. بعد إطلاق أربع دانات ناجحة، استهدف الإرهابيون الدبابة بصاروخ مضاد للدروع من طراز كورنيت، وهو من أحدث المقذوفات آنذاك، أصاب الصاروخ الدبابة مباشرة، وقذفت موجة الانفجار الشهيد خارجها، فأصيب بحروق بالغة.

ظنت القوات للوهلة الأولى أنه استشهد، لكنه تحرك ممسكًا بسلاحه، تم إخلاؤه من موقع الاشتباك، بينما تحولت الدبابة إلى كتلة من النار بعد انفجار الذخيرة بداخلها. نُقل بطائرة إلى المركز الطبي العالمي، وظل بالعناية المركزة لساعات قليلة، حتى فاضت روحه الطاهرة في الأول من سبتمبر عام 2015.

وداع بطل

شُيّع جثمان الشهيد في مسقط رأسه بقرية سامول في جنازة مهيبة، وجرى إطلاق اسمه على إحدى مدارس القرية تخليدًا لذكراه. تبقى سيرته نبراسًا للأجيال، تذكرنا بتضحيات أبطال القوات المسلحة في الدفاع عن أرض الوطن.