في مشهد من مسرحية شهيرة، كانت الفنانة ماري منيب تنظر إلى عادل خيري وتسأله باستغراب: "وإنتِ جاية تشتغلي إيه؟" وكان السؤال في وقته مضحكًا، لكن يبدو أن المصريين أصبحوا اليوم في حاجة إلى توجيه السؤال نفسه إلى حكومتهم بعد تصريح رئيس الوزراء بأن الحكومة ليست ملزمة بتوفير وظائف للشباب، وأن خلق فرص العمل ليس من أدوار الدولة.
تصريح يثير التساؤلات
التصريح يستحق التوقف أمامه كثيرًا، لأنه يفتح بابًا واسعًا من الأسئلة. فإذا كانت الحكومة ليست مسؤولة عن توفير فرص العمل، فما دورها بالضبط؟ وإذا كانت البطالة ليست ضمن الملفات التي تُحاسب عليها الحكومة، فما هي الملفات التي ما زالت تعتبرها مسؤوليتها المباشرة أمام المواطن؟
حضور الدولة في الجباية فقط
المواطن المصري لا يشعر أبدًا أن الدولة رفعت يدها عن حياته. بالعكس، الدولة حاضرة في كل تفصيلة، لكنها للأسف تكون أكثر حضورًا عندما يحين موعد الدفع. تريد استخراج شهادة ميلاد؟ ادفع. شهادة وفاة؟ ادفع. رخصة قيادة؟ ادفع. تجديد الرخصة؟ ادفع. شراء سلعة؟ ادفع ضريبة. بيع سلعة؟ ادفع ضريبة. استخدام طريق؟ ادفع رسومًا. استخدام خدمة؟ ادفع رسومًا أخرى. حتى أصبح المواطن يشعر أن الدولة تتابع خطواته خطوة خطوة، ليس لتسأله عن أحواله، وإنما لتتأكد أن الرسوم المطلوبة قد تم تحصيلها بالكامل.
دور الدولة بين الصلاحيات والواجبات
أما عندما يأتي الحديث عن الحقوق والخدمات، تكتشف فجأة أن الحكومة ليست مسؤولة عن هذا الأمر، وليست مسؤولة عن ذلك الملف، وأن دورها يقتصر على التنظيم والإشراف وتهيئة المناخ. وكأن الدولة تريد أن تحصل على صلاحيات الأب عندما يتعلق الأمر بالطاعة، وصلاحيات الجار عندما يتعلق الأمر بالواجبات.
الصحة: تبرعات ورسوم
في الصحة مثلًا، أصبحنا نسمع كثيرًا عن مستشفيات ومراكز طبية قامت على تبرعات المواطنين ورجال الأعمال والمؤسسات الخيرية. المواطن يتبرع بالأرض، ويتبرع بالمبنى، ويتبرع بالأجهزة، ثم يعود بعد ذلك ليدفع مقابل الكشف والعلاج والخدمة. أي أن المواطن يشارك في بناء المستشفى ثم يدفع ثمن دخولها. وهي معادلة عبقرية لم ينجح أحد في اختراعها إلا عندنا.
التعليم: أعباء متزايدة
وفي التعليم، يدفع ولي الأمر من دمه وأعصابه ومرتبه ومدخراته حتى يضمن أن يحصل أبناؤه على فرصة معقولة للتعلم. أما الدروس الخصوصية فقد أصبحت مؤسسة قائمة بذاتها، تكاد تكون أكبر مشروع قومي لم يتم الإعلان عنه رسميًا.
الوظائف: مسؤولية من؟
أما الصناعة والزراعة والإنتاج، فقد سمع المصريون طوال سنوات طويلة عن التطوير وإعادة الهيكلة والتخارج وجذب الاستثمار. وقيل لهم إن كل ذلك سيؤدي إلى زيادة الإنتاج وخلق فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة. لكن بعد كل هذه السنوات، يخرج علينا رئيس الوزراء ليقول إن الحكومة أصلًا ليست مسؤولة عن توفير الوظائف. وهنا يحق للمواطن أن يشعر ببعض الحيرة. فإذا كانت كل هذه السياسات والإجراءات لم يكن هدفها توفير فرص عمل، فما كان هدفها إذن؟ وإذا كانت الوظائف ليست من مسؤولية الحكومة، فلماذا كانت الحكومات في العالم كله تتباهى دائمًا بانخفاض معدلات البطالة وتُحاسب عندما ترتفع؟
شعارات بلا أفعال
المفارقة أن الحكومة لا تتوقف عن الحديث عن الشباب. تمكين الشباب، وتأهيل الشباب، والاستثمار في الشباب، وبناء الإنسان. كلام جميل جدًّا، لكن الإنسان الذي يتم بناؤه يحتاج في النهاية إلى وظيفة يأكل منها ويعيش منها ويتزوج منها ويكوّن أسرة منها. أما أن نبني الإنسان ثم نتركه واقفًا على الرصيف يبحث عن فرصة عمل بينما نقول له إن الحكومة ليست مسؤولة عن ذلك، فهذه مدرسة جديدة في الإدارة لم يتعرف عليها العالم بعد.
مطالب المواطنين
المصريون لا يطالبون بعودة التعيين الحكومي ولا ينتظرون وظيفة تُسلَّم لهم مع شهادة التخرج. لكنهم يتوقعون أن تكون الدولة مسؤولة عن خلق بيئة اقتصادية حقيقية تنتج وظائف، وتحمي الصناعة، وتدعم الزراعة، وتجذب الاستثمارات المنتجة، وتفتح الأبواب أمام الشباب بدلًا من أن تغلقها في وجوههم. أما أن يصبح المواطن مسؤولًا عن تعليم أبنائه، ومسؤولًا عن علاج أسرته، ومسؤولًا عن إيجاد فرصة عمل لنفسه، ومسؤولًا عن مواجهة الغلاء، ومسؤولًا عن تحمل الرسوم والضرائب التي لا تنتهي، ثم يكتشف أن الحكومة ليست مسؤولة عن تشغيله أيضًا، فهنا يصبح السؤال واجبًا لا مجرد حق.
ولهذا أعتقد أن ملايين المصريين بعد سماع هذا التصريح لم يعد يشغلهم سؤال الوظائف فقط، بل أصبح لديهم سؤال آخر أكثر إلحاحًا. السؤال نفسه الذي طرحته ماري منيب منذ سنوات طويلة في المسرحية الشهيرة: "وإنتوا جايين تشتغلي إيه؟" لأن المواطن، كما يبدو، أصبح مسؤولًا عن كل شيء. أما الحكومة.. فما زال المصريون ينتظرون إجابة.



