بعد حظر بريطانيا شراء السجائر على المولودين بعد 2008، يظل التدخين عادة قاتلة يمكن التخلص منها بسهولة نسبياً إذا توفرت الإرادة. في هذا التحقيق، تفتح «الوطن» ملف التدخين وخطورته بعد تحذيرات الأطباء المتكررة من الأضرار التي تصيب الرئة جراء تراكم النيكوتين، إلى جانب التكلفة الاقتصادية الهائلة التي تتكبدها الدولة، وتشمل تكاليف الرعاية الصحية لعلاج الأمراض الناجمة عنه، وفقدان رأس المال البشري بسبب كثرة المرضى، والوفيات الناتجة عن الشراهة في التدخين، وصولاً إلى كيفية التعافي والخلاص من هذه العادة القاتلة.
قصة فرج محمد: من فضول إلى إدمان
لم يعلم فرج محمد، ابن محافظة البحيرة، أن تجربة عابرة مع السيجارة ستتحول إلى إدمان ينتهي بمرض خطير في الرئة. بدأت القصة عندما نجح أصدقاؤه -حين كان مراهقاً- في إقناعه بالتدخين، مبررين ذلك بأن الرجولة الحقيقية تكتمل بعد «شرب أول سيجارة». بصوت متقطع وملامح أنهكها التعب، يحكي فرج، 33 سنة، قصته مع عادة التدخين القاتلة، مشيراً إلى أنها تُهدر طاقات الشباب وأموالهم، وتحولهم من حالمين بمستقبل مشرق إلى آلات تابعة للسيجارة. يقول إنه في السابعة عشرة من عمره جرب التدخين للمرة الأولى بدافع الفضول وتقليد الأصدقاء، ولم يكن يشعر بالخطر حينها بل بشيء من الزهو الشديد والسعادة الغامرة، كأنه يثبت لنفسه «أنه خلاص كبر وبقى مسؤول عن نفسه ويقدر ياخد قرارات».
ما بدأ كلحظة عابرة تحول إلى احتياج يومي أشبه بالإدمان والتعود. ولعدم وجود مصدر دخل ثابت حينها لشراء السجائر، قرر ادخار مصروفه الشخصي بالكامل وحرمان نفسه من بعض الوجبات اليومية لشراء علبة سجائر، قائلاً: «كنت ما أشتريش أكل، لكن أجرى على الكشك أجيب علبة سجائر لأني كنت وصلت لمرحلة التعود، وبعد ما كنت طول الوقت بلعب كورة مع صحابي، بطلت لأن نفسي اتقطع، وكنت بنهج وأحس إن روحي بتطلع لو فكرت أجرى شوية».
مرت السنوات، والسيجارة أصبحت رفيقاً له في كل المواقف الحياتية، يشربها بعد الأكل، مع القهوة، وحتى في لحظات الوحدة. غير أن فرج لم يكن يعلم أنه سيدفع فاتورة باهظة الثمن من صحته بسبب هذه العادة القاتلة، وذلك بعد أن أضاع الكثير من المال عليها. بدأ الأمر بسعال، ثم ضيق في التنفس وإرهاق لم يفهم سببه، حاول في البداية تجاهل الأعراض، حتى جاء اليوم الذي لم يستطع فيه التقاط أنفاسه. وما كان يخشاه حدث بالفعل، أخبره الأطباء بعد الفحوصات الطبية بإصابته بمرض الانسداد الرئوي المزمن، وهو مرض يسبب تقييد تدفق الهواء وصعوبة في التنفس. لم تكن الصدمة في المرض فقط، بل في توقيته أيضاً، حيث كان عاجزاً حينها عن توفير نفقات علاج زوجته الحامل.
مرض الانسداد الرئوي المزمن: النتيجة صادمة
يصنف مرض الانسداد الرئوي المزمن، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، بأنه مرض شائع يؤدي إلى تلف الرئتين أو انسدادهما بالبلغم، وتشمل أعراضه السعال المصحوب ببلغم، وصعوبة في عمليات التنفس والتعب المزمن. وأكدت منظمة الصحة العالمية، عبر موقعها الرسمي، أن التدخين من بين الأسباب الأكثر شيوعاً لهذا المرض، وأن الأشخاص المصابين به هم الأكثر عرضة للإصابة بمشاكل صحية أخرى، ولا يمكن التعافي منه ولكن يمكن أن تتحسن الأعراض إذا تجنب المرء التدخين.
يرى د. جمال شعبان، عميد معهد القلب الأسبق، أن ما حدث لفرج محمد لم يكن مفاجئاً، موضحاً أن دخان السجائر يحتوي على آلاف المواد الكيميائية الضارة مثل النيكوتين وأول أكسيد الكربون والقطران، إضافة إلى مواد مُسببة للالتهاب تؤدي إلى تلف بطانة الأوعية الدموية وزيادة ضغط الدم وتصلب الشرايين، مؤكداً أن هذه التأثيرات ترفع بشكل مباشر من خطر الإصابة بالجلطات والنوبات القلبية والسكتات الدماغية وقصور القلب. وأكد «شعبان» أن الأبحاث الحديثة أظهرت أن التدخين الخفيف بمعدل 2 إلى 5 سجائر يومياً يرتبط بزيادة خطر فشل القلب بنسبة 50%، وخطر الوفاة بأسباب طبية أخرى بنسبة 60% مقارنة بغير المدخنين، وأوضح أن التدخين بمعدل 11 إلى 15 سيجارة يومياً يزيد خطر أمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 84%، كما يضاعف خطر الوفاة.
وأشار إلى أن بدء التدخين في سن مبكرة يرفع المخاطر بشكل ملحوظ حتى مع الأخذ في الاعتبار عدد سنوات التدخين، وكشف عن نتائج دراسة كبيرة صادرة عن جامعة جونز هوبكنز عام 2025 شملت أكثر من 300 ألف شخص تمت متابعتهم لمدة تصل إلى 20 عاماً، أكدت أن تقليل عدد السجائر لا يلغي المخاطر، وأن الإقلاع الكامل يظل الحل الأمثل.
يقول د. محمد شريف، طبيب بأحد المستشفيات الخاصة، إن النيكوتين ليس أخطر مكونات السيجارة، بل هو المسؤول عن الإدمان، بينما تكمن الخطورة الحقيقية في باقي المواد السامة التي تسرع الشيخوخة وتدمر خلايا الجسم، قائلاً: «السيجارة بتضرب الجسم كله وتقلل كفاءته بشكل عام». ويتابع: «السيجارة فيها إضافات يتم تصنيفها بأنها مُسرطنة ومواد مؤكسدة تدمر خلايا الجسم وتُعجل بنهاية كل الأنسجة وتسهل وجود أمراض مزمنة وأمراض مناعية يصعب علاجها». وحول أضرار التدخين على الجهاز التناسلي، أكد د. محمد شريف أنه يؤثر على تدفق الدماء للأعضاء التناسلية مما يؤدي إلى ضعف وفقدان النشوة الجنسية، وفي بعض الأحيان الإصابة بالعقم لدى الإناث والذكور.
الأرقام تكشف حجم الكارثة
وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن التدخين يُعد السبب الرئيسي لسرطان الرئة، والمسؤول عن أكثر من ثلثي وفيات سرطان الرئة على مستوى العالم، كما يُعد السبب الرئيسي لمرض الانسداد الرئوي المزمن، حيث يرتفع خطر الإصابة به، خاصة بين من يبدأون التدخين في سن مبكرة، حيث يؤدي التدخين إلى إبطاء نمو الرئة بدرجة كبيرة. وتؤكد «الصحة العالمية» أن معدلات التدخين تبلغ 38% بين الرجال و4% بين النساء في المتوسط و21% بين البالغين، وارتفعت نسبة المدخنين في بعض البلدان لتصل إلى 52% من الرجال، و22% من النساء، مؤكدة أن معدلات التدخين بين الشباب تبعث على القلق، حيث وصلت إلى 42% بين الفتية و31% بين الفتيات، ويشمل ذلك تدخين الشيشة، وهي أكثر شيوعاً بين الشباب مقارنة بالسجائر.
أضافت منظمة الصحة العالمية، عبر موقعها الرسمي، أن استخدام التبغ يزيد من خطر الإصابة بأمراض اللثة، كما يعاني المدخنون من اضطرابات الجهاز الهضمي، مثل قرحة المعدة، ومرض التهاب الأمعاء المصحوب بتقلصات في البطن، والإسهال المستمر، والحمى، بالإضافة إلى سرطانات الجهاز الهضمي. وتؤكد المنظمة أن مكونات دخان التبغ تُضعف جهاز المناعة، مما يُعرض المدخنين لخطر الإصابة بعدوى الجهاز التنفسي، ويؤدي إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان وخاصة سرطان الرئة، فضلاً عن ارتفاع معدلات الوفاة المرتبطة بأمراض الجهاز التنفسي.
التغيير ممكن: قصة محمود يحيى
ليست كل القصص تنتهي بنفس الاستسلام لتلك العادة القاتلة، والقسوة التي انتهى بها حال المُدخن فرج محمد، فثمة نماذج مختلفة تمكنت من هزيمة التدخين، كان من بينهم محمود يحيى، من محافظة القاهرة، الذي بدأت رحلته مع التدخين في سن مبكرة بدافع الرغبة في الاستقلال، قبل أن تتحول التجربة إلى عادة استطاع القضاء عليها في النهاية، مشيراً إلى أن التدخين بالنسبة له لم يكن مجرد عادة عابرة، لكن تجربة عميقة، بدأت بانزلاق بسيط وانتهت بقرار حاسم وهو الامتناع التام.
محمود يحيى نشأ طفلاً نشيطاً، مارس الرياضة منذ نعومة أظافره، بين السباحة والكاراتيه وكرة السلة، وعند سن الخامسة عشرة تغير المسار دون مقدمات ووقع في فخ التدخين، مدفوعاً برغبة في إثبات الاستقلالية عن السلطة الأبوية وربما التقليد الأعمى، وسرعان ما تحول من إنسان طبيعي لإنسان مُدخن يمر بمراحل عديدة أصعبها احتقار الذات. قصة محمود مع التدخين التي بدأت مبكراً، انتهت قبل عامه الثلاثين بعام واحد، حيث بدأ مراجعة نظرته للحياة وللتدخين، قائلاً: «كنت بقول لنفسي لما أتجوز هل فيه إنسانة محترمة ممكن تقبل بي، وهل فيه أصلاً أب عاقل هيوافق على شخص مدخن بيصرف آلاف الجنيهات على السجاير».
رغبة «يحيى» في الإقلاع نهائياً عن التدخين كانت قوية، حيث استطاع الرجل السيطرة على نفسه، بل دفعها للتطور والتحسن، وبالفعل نال ما تمناه، حيث أقلع عن التدخين نهائياً، وأحس حينها بأنه ولد مرة أخرى بعدما ترك السيجارة، ليقرر استغلال دراجته الهوائية في توعية الشباب بخطورة التدخين وضرورة الإقلاع الفوري عنه. بعد الإقلاع النهائي عن التدخين، عاد محمود مرة أخرى إلى ممارسة الرياضة، واستخدام الدراجة الهوائية في التنقل، قائلاً: «رجعت تاني لممارسة رياضة الجري، واللي ساعدت في تعافي جهازي التنفسي وعودتي للتنفس الطبيعي، وقدرت أرجع تاني الحياة لجسمي وأحس بطعم الأكل وبدأ صدري يتعافى من النيكوتين».
تجربة محمود مع الإقلاع عن هذه العادة القاتلة دفعته إلى مشاركتها مع غيره من الشباب، من خلال استغلال دراجته الهوائية في الترويج للإقلاع عن التدخين من خلال لوحات للتحذير من التدخين والتوعية بضرورة الإقلاع عنه. يتجول محمود بدراجته يومياً في شوارع القاهرة لعرض تجربته ومحاولة إقناع غيره بالإقلاع عن التدخين، مؤكداً: «بمشي بيها لحد دلوقتي في الشوارع، علشان أوعي الناس، وعليها لافتات دعم للشباب وتوعيتهم، وطبعاً تعرضت لمواقف كثيرة جداً أغلبها إيجابية لكني نجحت وشاركت تجربتي مع ناس كتيرة».
لم يكتف «يحيى» بالتوعية مستخدماً دراجته فقط بل قرر أيضاً إطلاق حملة أخرى أسماها «عداد الإقلاع»، وهي عبارة عن صورة يطبعها كل فترة مدون عليها رقم يعبر عن عدد الأيام، والشهور أو السنين التي امتنع فيها عن التدخين لتشجيع غيره على اتخاذ القرار، قائلاً: «دلوقتى وبعد مرور 10 سنوات على قرارى الشخصي، سعيد جداً إني غيرت من نفسي وتخليت عن الأذى اللي اسمه السيجارة».
وتقول منظمة الصحة العالمية إنه يمكن ملاحظة الآثار الإيجابية للإقلاع عن التدخين على الفور، ففي غضون 20 دقيقة ينخفض معدل ضربات القلب وضغط الدم، وبعد مرور 12 ساعة يعود مستوى أول أكسيد الكربون في الدم إلى طبيعته، وبعد أسبوعين تتحسن الدورة الدموية وتزداد وظائف الرئة، وفي غضون شهر يقل السعال وضيق التنفس، وبعد مرور عام على الإقلاع عن التدخين يكون خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية حوالي نصف خطر الإصابة لدى المدخنين، وعقب مرور 5 سنوات ينخفض خطر الإصابة بالسكتة الدماغية إلى نفس مستوى خطر الإصابة العادي لدى غير المدخنين، وعند مرور عشر سنوات ينخفض مُعدل الوفيات بسرطان الرئة إلى النصف تقريباً مقارنةً بالمدخنين، كما يقل خطر الإصابة بسرطانات الفم والحلق والمرئ والمثانة والكلى والبنكرياس.
مراحل العلاج: كيف تقلع عن التدخين عملياً
لكن يظل السؤال الأهم: كيف يمكن عملياً الإقلاع عن التدخين، وهل ثمة طريقة علمية يمكن الاعتماد عليها في هذا الصدد؟ الإجابة تأتي من داخل عيادات الإقلاع عن التدخين بالمركز القومي للبحوث بالدقي، والتي تفتح أبوابها للمدخنين الراغبين في الإقلاع عن التدخين أيام الأحد والأربعاء والخميس من الثانية عشرة إلى الثانية ظهراً، برسوم كشف قيمتها 150 جنيهاً فقط.
تقول د. سلوى فاروق، أستاذ الطب البيئي بالمركز القومي للبحوث، إن العلاج لا يعتمد فقط على الأدوية، بل يشمل جلسات دعم نفسي وتثقيفي، مضيفة: «بنعمل مع المريض خطة تشمل عدد السجائر والعادات المرتبطة بيها، وبنساعده يغير نمط حياته». وأوضحت أن إدخال العلاج الدوائي يساعد في تقليل أعراض الانسحاب، من خلال التأثير على مستقبلات النيكوتين في المخ، لكن نجاح العلاج يظل مرهوناً برغبة حقيقية من المدخن. وترى «فاروق» أن المدخنين يختلفون بشكل كبير عن باقي المرضى، لكونها عادة ترتبط بالشخص ويصعب التخلص منها بالأقراص الدوائية فقط.
وتؤكد: «المريض العادي ممكن ياخد مضاد حيوي أو مسكن أو حتى أي علاج فيخف على طول، لكن المدخن حاجة تانية وبعد ما كانت نسب فشل إقناع المدخنين بالإقلاع عن التدخين قليلة، قدرنا في المركز القومي للبحوث نوقع بروتوكول تعاون مع وزارة الصحة يسمح بإدخال العقاقير الطبية ضمن أساليب العلاج، وعملنا اجتماع مع كل العيادات اللي بتشتغل في مجال الإقلاع عن التدخين علشان يكون فيه نمط موحد للعلاج وبالتالي معدلات الإقلاع تزيد». وتتابع: «مراحل العلاج تبدأ بجلسات تثقيفية ونفسية، ثم بعد ذلك يتم اللجوء إلى مرحلة العلاج الدوائي، حتى يتخلص المريض من أعراض انسحاب مادة النيكوتين من الجسم، لأن الأدوية تُغلق مستقبلات النيكوتين في المخ، وهذا يساعد المريض على التخلص من هذه العادة السيئة، كما يمكن أيضاً أن نلجأ إلى الاستعانة بالليزر للمساعدة في عملية التعافي».
وما بين تجربة تبدأ بدافع الفضول ونهاية مؤلمة، يبقى القرار في يد المدخن إما الاستمرار في دائرة الخطر أو الخروج منها قبل فوات الأوان، والأفضل طبعاً عدم الدخول فيها من الأساس. ولعل التجربة البريطانية مؤخراً في مكافحة التدخين، قد تكون ملهمة في هذا السياق، حيث أقر البرلمان البريطاني قانوناً يحظر على الأطفال المولودين بعد 31 ديسمبر 2008 شراء السجائر نهائياً.



