تعيش مدينة الغردقة، إحدى أهم الوجهات السياحية في مصر، أزمة مزمنة في مياه الشرب تمتد لأكثر من عشرين عامًا، حيث يعاني المواطنون والمنشآت الفندقية من نقص متكرر في الإمدادات، خاصة خلال فصل الصيف. هذه الأزمة عادت إلى الواجهة بقوة بعد مقال للدكتور محمد شتا، تبعه رد رسمي من الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، ثم تعقيب جديد أعاد فتح الملف من زاوية أكثر حدة.
بداية القصة: كشف أزمة ممتدة منذ عقدين
في مقاله المنشور بموقع فيتو تحت عنوان “بلاغ إلى من يهمه الأمر”، سلط الدكتور محمد شتا الضوء على أزمة المياه في الغردقة، مؤكدًا أنها ليست وليدة اللحظة، بل تمتد لأكثر من عشرين عامًا تفاقمت فيها المعاناة دون حل جذري. وأشار إلى أن مدينة تمثل أكثر من 60% من حجم السياحة الوافدة إلى مصر تعاني من نقص في مياه الشرب، مما يطرح تساؤلات حول جاهزية البنية التحتية لمواكبة خطط التوسع السياحي التي تستهدف جذب 30 مليون سائح بحلول عام 2030.
وبحسب المقال، تبلغ الأزمة ذروتها صيفًا مع ارتفاع معدلات الاستهلاك، وظهور سوق موازية للمياه يصل فيها سعر المتر المكعب إلى نحو 200 جنيه، مما يعكس اختلالًا واضحًا بين العرض والطلب. لكن أخطر ما أشار إليه الكاتب هو انقطاع المياه عن الشبكات الرسمية في مقابل توفرها المستمر لدى تجار المياه، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مصادر هذه الكميات وآليات توزيعها. كما أشار إلى إعلان سابق في مايو 2025 عن قرب حل الأزمة باعتبارها مجرد مشكلة فلاتر في محطة التحلية، إلا أن مرور عام كامل دون إنهائها أعاد الشكوك حول دقة التقديرات وسرعة التنفيذ.
رد الحكومة: جهود قائمة وخطط ممتدة حتى 2050
في أعقاب نشر المقال، سارعت الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي إلى إصدار رد رسمي أكدت فيه متابعة ما أثير والتنسيق مع الشركة التابعة بمحافظة البحر الأحمر. ركز الرد على عدة محاور، أبرزها التأكيد على أن الأسعار المرتفعة المتداولة في السوق لا تعبر عن السعر الرسمي البالغ 25 جنيهًا للطن، وأن ما يتم تداوله هو نتيجة تعاملات فردية خارج الإطار الرسمي.
كما أوضح الرد أن نظام تشغيل المياه في الغردقة يعتمد على المناوبات في بعض المناطق بسبب محدودية الإنتاج، بينما تعمل مناطق أخرى طورت شبكاتها بشكل مستمر على مدار 24 ساعة. وفيما يتعلق بمحطات التحلية، أشار الرد إلى تنفيذ أعمال صيانة دورية شملت تغيير نحو 50% من الأغشية (الفلاتر) بمحطة اليسر خلال شهري مارس وأبريل 2025 بتكلفة بلغت نحو 100 مليون جنيه، بهدف تحسين كفاءة التشغيل وجودة المياه.
ولم يقتصر الرد على الوضع الحالي، بل امتد إلى عرض خطة مستقبلية طموحة تشمل إنشاء أربع محطات تحلية جديدة بطاقة إجمالية 85 ألف متر مكعب يوميًا، إلى جانب مشروعات إضافية بطاقة 110 آلاف متر مكعب يوميًا، ضمن استراتيجية تمتد حتى عام 2050 لضمان استدامة الموارد المائية.
تعقيب الكاتب: الرد لم ينفِ الأزمة بل أكد استمرارها
رغم ما تضمنه الرد من تفاصيل، عاد الدكتور محمد شتا ليؤكد أن جوهر الأزمة لا يزال قائمًا، معتبرًا أن الرد ركز على عرض الجهود دون الاقتراب من أصل المشكلة. وأوضح أن ما يحدث على الأرض يعكس استمرار الأزمة بنفس حدتها، حيث لا يزال الأهالي والفنادق يعتمدون على شراء المياه من التجار بأسعار مرتفعة في ظل عدم انتظام الضخ عبر الشبكات.
وأشار الكاتب إلى أن الرد لم يقدم إجابة واضحة على السؤال الأهم: هل تمتلك المنظومة الحالية القدرة على توفير المياه بشكل مستمر لجميع مناطق الغردقة، سواء عبر الشبكات أو من خلال سيارات الشركة؟ كما أعاد طرح التساؤل الأكثر حساسية حول مصدر المياه التي يبيعها التجار، متسائلًا عما إذا كانت هذه الكميات تأتي من داخل المنظومة الرسمية أم من مصادر أخرى خارج نطاق الرقابة، مما يستدعي تدخلًا رقابيًا جادًا من جهات مثل هيئة الرقابة الإدارية. ولم يغفل الكاتب الإشارة إلى أن الأزمة سبق أن وعد بحلها خلال فترة قصيرة قبل عام دون أن يتحقق، لتعود المشكلة مجددًا مع بداية موسم الصيف في نمط متكرر يعكس غياب الحسم.
أزمة أعمق من المياه: خلل في الإدارة أم فجوة في التخطيط؟
يكشف تسلسل الأحداث عن أن أزمة الغردقة لم تعد مجرد نقص في المياه، بل أصبحت مؤشرًا على تحديات أوسع تتعلق بإدارة المرافق الحيوية. فبينما تتحدث الجهات الرسمية عن خطط مستقبلية واستثمارات ضخمة، يظل الواقع اليومي للمواطنين والمنشآت السياحية محكومًا بنقص الإمدادات واللجوء إلى حلول بديلة مكلفة. هذا التباين بين الخطط والواقع يطرح تساؤلات حول كفاءة توزيع الموارد ومدى التنسيق بين الجهات المختلفة، خاصة في ظل فصل مرفق المياه عن الإدارة المحلية، وهو ما يراه البعض أحد أسباب ضعف الاستجابة للأزمات على المستوى المحلي.
تظل أزمة مياه الغردقة نموذجًا لقضية تتكرر دون حل جذري، رغم وضوح أبعادها وخطورتها على قطاع حيوي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد المصري. وبين صرخة كاتب ورد حكومي وتعقيب يعيد طرح الأسئلة، يبقى المشهد مفتوحًا في انتظار إجابة حاسمة لا تقتصر على عرض الجهود، بل تقدم حلًا نهائيًا بزمن محدد.



