تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالًا من أحد المواطنين حول حكم الامتناع عن تسلم الوجبات بعد طلبها والتهرب من دفع ثمنها. حيث ذكر السائل أن امرأة تُعد وجبات الطعام حسب الطلب، وقد تواصل معها أحد العملاء وطلب منها صنع عدد من الوجبات بثمن محدد، واتفقا على جميع التفاصيل من مكونات وأصناف، على أن يتم دفع المبلغ عند التسليم. وبالفعل أعدت المرأة الوجبات في الوقت المحدد، إلا أن العميل أغلق هاتفه وأعرض عن الرد على اتصالاتها، فما حكم ذلك شرعًا؟
الرد الشرعي من دار الإفتاء
أجابت دار الإفتاء المصرية بأن الاتفاق بين العميل والمرأة التي تُعد الطعام يُعد من باب الاستصناع في ما اعتاد الناس طلب صناعته، وهو أمر جائز شرعًا. وبوفاء المرأة بما اتفقا عليه، يكون العقد ملزمًا للعميل، وامتناعه عن تسلم الوجبات بغير عذر والتهرب من دفع ثمنها محرم شرعًا؛ لما يترتب عليه من ضرر مباشر للمرأة التي أنفقت من مالها وبذلت جهدها ووقتها، وقد لا تجد عميلًا آخر يقبل بشراء هذه الوجبات، مما يؤدي إلى ضياع الطعام وخسارة الجهد والمال، فضلًا عن أن هذا الفعل يُعد غدرًا ونكثًا للعهد.
التكييف الفقهي للاتفاق
أوضحت الإفتاء أن الاتفاق يُكيف فقهيًا على أنه استصناع في ما جرى التعامل بين الناس، وهو جائز شرعًا متى وقع عن تراضٍ وخلا من الغرر والجهالة. واستشهدت بقول الإمام ابن مازه في "المحيط البرهاني": إن الاستصناع جائز في كل ما جرى التعامل فيه. فإذا قام مُعد الطعام بتنفيذ ما التزم به، وأعد الوجبات وفق المواصفات المتفق عليها، وبادر بتسليمها في المكان والموعد المحددين، فقد استوفى ما وجب عليه، وثبت له استحقاق العوض، وعندئذ يتعين على العميل الوفاء بدفع الثمن دون تأخير أو تنصل؛ لأن استحقاق العوض يثبت بمجرد إتمام العمل على النحو المشروط.
التحذير من الغدر ونكث العهد
أكدت الإفتاء أن نأي العميل عن تسلم طلبه بعد إتمام العمل يعد إخلالًا بالعهد ونقضًا للاتفاق، وهو ما جاءت الشريعة بالتحذير منه والتشديد في النهي عنه. واستشهدت بقول الله تعالى: "وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا" (الإسراء: 34)، وبحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أربع من كن فيه كان منافقًا... إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (رواه البخاري). كما بينت ما يترتب على الغدر من مآلات يوم القيامة، مستشهدة بحديث: "قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر..." (رواه البخاري).
الخلاصة
بناءً على ما سبق، فإن امتناع العميل عن تسلم الوجبات والتهرب من دفع ثمنها محرم شرعًا، ويعد غدرًا ونكثًا للعهد، ويترتب عليه إثم كبير وضرر بالغ بالمرأة التي أعدت الطعام. وتنصح دار الإفتاء بضرورة الالتزام بالوعود والعقود، وتجنب الأفعال التي تؤدي إلى الإضرار بالآخرين.



