أثار مقطع فيديو متداول لطفل يرفض الجلوس مع والده أو حتى مصافحته خلال جلسة الرؤية حالة واسعة من الجدل والتعاطف، وسط تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التصرف. بين من أرجع الأمر إلى التأثير النفسي الناتج عن الخلافات الأسرية، ومن اعتبره نتيجة شحن وتحريض من أحد الطرفين، تبقى الحقيقة الأهم أن الأطفال هم الطرف الأكثر تأثراً بصراعات ما بعد الانفصال، وهو ما يعيد الجدل مجدداً حول قوانين الرؤية والاستضافة ومدى قدرتها على حماية الحالة النفسية للأطفال والحفاظ على علاقتهم بوالديهم.
حق الرؤية حق أصيل للطفل
في هذا الصدد، قالت المحامية نهاد أبو القمصان، رئيس المركز المصري لحقوق المرأة، إن قضايا الرؤية والحضانة تعد من أكثر قضايا الأسرة حساسية، خاصة في الحالات التي يتم فيها استخدام الأطفال كوسيلة ضغط بين الطرفين بعد الانفصال، سواء من جانب الأم أو الأب، وهو ما ينعكس بصورة خطيرة على الحالة النفسية والسلوكية للأطفال. وأضافت أبو القمصان: "حق الرؤية لا يعد حقاً شخصياً للأب أو الأم فقط، وإنما هو في الأساس حق أصيل للطفل للحفاظ على علاقته الطبيعية والمتوازنة بوالديه، ولذلك فإن التنازل عن هذا الحق لا يعتد به قانوناً متى تعارض مع مصلحة الصغير".
التعديلات القانونية وحدها غير كافية
من جانبه، قال ربيع سالم، استشاري قانوني، إن التعديلات المطروحة حالياً على قانون الرؤية، وخاصة ما يتعلق بمدة وشروط الرؤية، قد تكون خطوة إيجابية من الناحية التشريعية، لكنها وحدها لن تكون كافية لعلاج الأزمة بشكل كامل. وأضاف سالم: "المشكلة الحقيقية ليست فقط في عدد ساعات الرؤية أو مكانها، وإنما في التأثير النفسي الواقع على الطفل نتيجة الخلافات المستمرة بين الأب والأم، وحالات الشحن والتحريض التي يتعرض لها بعض الأطفال ضد الطرف الآخر". وأشار: "هنا يجب أن ندرك أن الطفل عندما يرفض رؤية والده، فغالباً هذا الرفض لا يكون نابعاً من إرادته الكاملة، وإنما نتيجة تراكمات نفسية ورسائل سلبية تم زرعها بداخله مع الوقت". واختتم قائلاً: "لذلك، إذا لم تقترن التعديلات القانونية بآليات تنفيذ حقيقية، ورقابة فعالة، ودعم نفسي وأسري للأطفال، فقد تتحول النصوص الجديدة إلى مجرد حبر على ورق، والمطلوب ليس فقط تعديل القانون، بل تغيير الثقافة المرتبطة بقضايا الأسرة، لأن مصلحة الطفل الحقيقية هي الحفاظ على علاقته السوية بوالديه بعيداً عن الصراعات الشخصية".
ظاهرة منتشرة في محاكم الأسرة
من جانبه، قال محمود مسلم، محامٍ مختص بشؤون الأسرة، إن تكرار رفض بعض الأطفال رؤية الأب بعد الانفصال أو الطلاق ليس حالة فردية، بل أصبح من الظواهر المنتشرة داخل محاكم الأسرة، وهناك الكثير من الآباء يعانون من هذه الأزمة بمختلف صورها. وأضاف مسلم: "من خلال خبرتنا في قضايا الأسرة، فإن الأسباب تختلف من حالة لأخرى، لكن في كثير من الأحيان يكون السبب الرئيسي هو حالة العند والخلافات بين الطرفين، إضافة إلى خوف بعض الأمهات من تعلق الطفل بوالده أو رغبته في الإقامة معه، وهو ما ينعكس سلباً على نفسية الطفل وعلاقته بوالده". وتابع: "لهذا نجد تخوفاً كبيراً لدى بعض الأمهات من فكرة الاستضافة، رغم أنها في الأصل حق للطفل قبل أن تكون حقاً للأب، لأنها تساعد على بناء علاقة سوية ومتوازنة بين الطفل ووالديه".
تعديلات قانون الرؤية: استضافة بدلاً من رؤية تقليدية
الجدير بالذكر أن قانون الرؤية يعد من أكثر القوانين المرتبطة بالأحوال الشخصية إثارة للجدل داخل المجتمع، نظراً لتعلقه المباشر بحقوق الأطفال والعلاقة الإنسانية بين الأب وأبنائه بعد الانفصال أو الطلاق. فالرؤية ليست مجرد ساعات يقضيها الأب مع أطفاله، بل هي حق نفسي وتربوي يهدف إلى الحفاظ على الترابط الأسري وحماية الطفل من آثار النزاعات بين الوالدين. ومع تزايد الخلافات الأسرية خلال السنوات الأخيرة، تصاعدت المطالب بإعادة النظر في قوانين الرؤية والاستضافة بما يحقق التوازن بين حقوق الأب والأم، ويضع مصلحة الطفل في المقام الأول. وتشهد تعديلات قانون الأحوال الشخصية الحالية إعادة تنظيم كاملة لمسألة الرؤية، وتضمنت التعديلات الجديدة تنظيم مدة ومكان الرؤية بما يراعي مصلحة الطفل، مع إتاحة الرؤية الإلكترونية وتشديد العقوبات على الممتنع عن تنفيذ أحكام الرؤية، والتي قد تصل إلى نقل أو إسقاط الحضانة في بعض الحالات. كما اتجهت بعض المقترحات داخل مشروع القانون إلى استبدال نظام الرؤية التقليدية بنظام الاستضافة، بما يسمح للطرف غير الحاضن بقضاء وقت أطول مع الطفل بصورة طبيعية، سواء من خلال المبيت أو الإجازات، وذلك في إطار محاولة معالجة الأثر النفسي الناتج عن اقتصار العلاقة بين الأب وأبنائه على ساعات محدودة داخل مراكز الشباب أو الأندية.



