في ظل موافقة مجلس النواب نهائياً على الحسابات الختامية لـ59 هيئة اقتصادية عن العام المالي 2024/2025، تتواصل التساؤلات حول استمرار خسائر عدد من الهيئات، وتزايد المديونيات، وضعف كفاءة الإنفاق والاستثمار داخل بعض الكيانات الاقتصادية التابعة للدولة، ما يدرجها ضمن الثقوب الواسعة في رداء الموازنة العامة، ويجعلها في حاجة إلى تدخل جراحي دقيق لترميمها.
النائب محمد فؤاد يكشف رؤيته لأسباب الأزمة
في هذا الحوار، يكشف النائب والخبير الاقتصادي محمد فؤاد رؤيته لأسباب الأزمة، ومخاطر استمرارها، وخريطة الإصلاح المطلوبة لإنقاذ الهيئات الخاسرة.
كيف تقرأ موافقة البرلمان على الحسابات الختامية رغم استمرار الخسائر؟
موافقة البرلمان على الحسابات الختامية لا تعني بالضرورة أن الأداء الاقتصادي للهيئات جيد، بل تعني إقرار الوضع المالي كما هو قائم بعد المراجعة. لكن استمرار الخسائر في عدد معتبر من الهيئات يطرح تساؤلاً جوهرياً حول جدوى استمرار بعض الكيانات بنفس الهيكل والإدارة ونموذج التشغيل دون مراجعة حقيقية. والأكثر لفتاً للانتباه أن الخطاب الرسمي منذ شهور كان يتحدث عن الدمج وإعادة الهيكلة وتقليص العدد، بينما الواقع يشير إلى زيادة عدد الهيئات الاقتصادية من 59 إلى 65 هيئة، وهو ما يكشف أن مسار الإصلاح المؤسسي ما زال يواجه تناقضاً واضحاً بين ما يُعلن وما يحدث فعلياً على الأرض.
ما دلالة تحقيق بعض الهيئات فوائض بمليارات الجنيهات مقابل استمرار خسائر هيئات أخرى؟
وجود هيئات تحقق فوائض ضخمة مقابل أخرى غارقة في الخسائر يكشف غياب التجانس داخل قطاع الهيئات الاقتصادية. هناك كيانات تمتلك أصولاً قوية واحتكارات طبيعية أو مصادر إيراد مستقرة، بينما توجد هيئات أخرى تمارس أنشطة غير اقتصادية أصلاً أو تعاني من ضعف الإدارة وتضخم الالتزامات والديون.
إلى أي مدى تمثل الخسائر المتراكمة التي تجاوزت 251 مليار جنيه خطراً على الاقتصاد؟
الخسائر المتراكمة التي تجاوزت 251 مليار جنيه ليست مجرد رقم محاسبي، بل تمثل ضغطاً مستمراً على المالية العامة، سواء عبر الدعم المباشر أو الضمانات أو تحمل الدولة للديون. والخطورة الأكبر أنها قد تتحول تدريجياً إلى التزامات سيادية تؤثر على قدرة الدولة التمويلية وأولويات الإنفاق.
ما أسباب ضعف تنفيذ الموازنات الاستثمارية في بعض الهيئات؟
ضعف تنفيذ الموازنات الاستثمارية يعكس غالباً مشكلات هيكلية في التخطيط والتمويل والإدارة التنفيذية. أحياناً يتم إدراج استثمارات دون جاهزية حقيقية للتنفيذ، أو تتعطل المشروعات بسبب التمويل أو الإجراءات أو ضعف الكفاءة المؤسسية، وهو ما يؤدي إلى تجميد أصول ورؤوس أموال دون عائد اقتصادي فعلي.
كيف تفسر استمرار الاعتماد الكبير لبعض الهيئات على دعم الخزانة؟
استمرار اعتماد بعض الهيئات على دعم الخزانة رغم سنوات طويلة من المساندة يعني أن المشكلة ليست تمويلية فقط، بل تتعلق بنموذج النشاط نفسه. هناك هيئات لم تعد قادرة على تحقيق الاستدامة التشغيلية، وبالتالي أصبح الدعم فيها نمطاً دائماً وليس إجراءً استثنائياً.
هل تعكس أزمة القروض غير المسددة خللاً في الإدارة والرقابة المالية؟
بالتأكيد، تراكم القروض والمديونيات غير المسددة يعكس وجود خلل في الحوكمة والانضباط المالي. أي مؤسسة تستمر في الاقتراض دون قدرة واضحة على السداد أو تحقيق تدفقات نقدية كافية تصبح معرضة للتعثر، وفي حالة الهيئات العامة تتحول المخاطر في النهاية إلى عبء على الدولة نفسها.
ما تأثير الطاقات العاطلة والمخزون الراكد على كفاءة الإنفاق العام؟
الطاقات العاطلة والمخزون الراكد تعني ببساطة أن الدولة تمتلك أصولاً ممولة لكنها غير مستغلة بكفاءة، وهذا يضعف العائد على الإنفاق العام ويؤدي إلى تجميد موارد كان يمكن توجيهها لقطاعات أكثر إنتاجية أو احتياجاً.
هل أصبحت بعض الهيئات الاقتصادية عبئاً على الدولة بدلاً من أن تكون مصدر دعم؟
نعم، بعض الهيئات تحولت فعلياً من أداة لدعم الاقتصاد إلى عبء مالي وإداري، خصوصاً عندما تعتمد على الاقتراض والدعم المستمر دون تحقيق قيمة مضافة حقيقية. الفكرة الأساسية للهيئة الاقتصادية أن تكون داعمة للخزانة لا مستنزفة لها، ولذلك يصبح من الضروري إعادة تقييم استمرار بعض الكيانات بصيغتها الحالية.
إلى أي مدى يمكن أن تسهم إعادة الهيكلة أو الشراكة مع القطاع الخاص في إنقاذ الهيئات الخاسرة؟
إعادة الهيكلة أصبحت ضرورة وليست خياراً، لكن يجب أن تكون حقيقية وليست شكلية. المطلوب مراجعة طبيعة النشاط، ودمج الكيانات المتشابهة، وتحويل بعض الهيئات إلى خدمية إذا كانت لا تمارس نشاطاً اقتصادياً فعلياً، مع فتح المجال لشراكات مدروسة مع القطاع الخاص لتحسين الكفاءة والإدارة.
ما الإجراءات العاجلة المطلوبة لوقف نزيف الخسائر؟
المطلوب بشكل عاجل هو وقف التوسع غير المدروس في إنشاء الهيئات، ووضع معايير واضحة لقياس الأداء والكفاءة، وربط الدعم الحكومي بخطط إصلاح محددة زمنياً، إلى جانب مراجعة الأصول غير المستغلة، وتعزيز الرقابة على الاقتراض والضمانات، والأهم وجود إرادة حقيقية لاتخاذ قرارات الدمج أو التصفية عندما تصبح بعض الكيانات غير قابلة للاستمرار اقتصادياً.



