كشف منتصر عمران، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، عن خريطة التحولات التنظيمية الأخيرة التي شهدها تنظيم الإخوان، مؤكدًا أن الصراعات الداخلية أنتجت ثلاث جبهات رئيسية تتنافس على القيادة: جبهة إسطنبول التي تمثل التيار التقليدي المحافظ، وجبهة لندن التي تحاول الانسياق مع الأجندات الغربية لكسب الشرعية، وجبهة الكماليين (نسبة إلى مؤسسها محمد كمال) التي تتبنى العنف صراحة كآلية للتغيير.
وأوضح عمران أنه رغم هذا التشرذم والهيكلة التنظيمية الجديدة، إلا أن الجبهات الثلاث تتفق تمامًا على استراتيجية موحدة تقضي بالتحول من النموذج القديم القائم على اللقاءات الأسرية المغلقة للتجنيد، إلى "نموذج رقمي" عابر للحدود يستهدف اختراق وعي الأجيال الجديدة عبر منصات الألعاب والتواصل الاجتماعي.
التغلغل الناعم عبر الـ "ميمز" وتطبيقات الألعاب
أشار الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية إلى أن هذا التحول الفضائي يعتمد بالأساس على استغلال الفجوة المعرفية لدى جيل زد والمراهقين الذين لم يعاصروا أحداث الفوضى والعنف التي شهدتها مصر عقب عام 2011. ويسعى التنظيم من خلال ذلك إلى إعادة صياغة صورته عبر إنتاج محتوى ساخر، ومقاطع فيديو قصيرة، و"ميمز" رقمية تُستخدم كأداة لتشويه مؤسسات الدولة وإعادة إنتاج خطاب المظلومية التقليدي في ثوب عصري.
وأضاف عمران أن التنظيم أيقن تمامًا فشل أدواته التقليدية، فاتجه إلى ما يُعرف بالتغلغل الناعم داخل تطبيقات إلكترونية شهيرة يرتادها الشباب بكثافة مثل (Discord) و(PUBG) و(Roblox)؛ حيث تعمد عناصره إلى بناء علاقات افتراضية وصداقات مع المراهقين، قبل تمرير رسائل سياسية وفكرية بصورة تدريجية وممنهجة، مستغلين طبيعة هذا الجيل الذي يستقي معلوماته بالكامل تقريبًا عبر المنصات الرقمية وتوجيهات الخوارزميات.
منصات التعليم الحر، طريق صناعة "الذئاب الرقمية"
حذر عمران من أن الأخطر في تحركات ما وصفه بـ"إخوان ميدان" هو محاولة تسييس المحتوى الترفيهي والتعليمي، عبر تقديم دورات تدريبية "مجانية" في مجالات جاذبة للشباب مثل البرمجة، والعمل الحر (Freelancing)، والتسويق الإلكتروني، لتُتخذ كغطاء يتم من خلاله تمرير مفاهيم متطرفة مرتبطة بـ"العزلة الشعورية" والتشكيك في مفهوم الدولة الوطنية بشكل غير مباشر.
كما كشف عن حيلة تنظيمية جديدة تواكب هذا التطور التكنولوجي، وتتمثل في سعي الجماعة لتكوين ما يمكن تسميته بـ"الذئاب الرقمية المنفردة"؛ وهي عناصر غير مرتبطة تنظيميًا أو هيكليًا بالمرشد أو المجموعات بشكل مباشر، لكنها تتبنى خطاب الجماعة وأهدافها وتعيد نشرها وتسييرها إلكترونيًا، مما يجعل تتبعها بالأساليب الأمنية التقليدية أمرًا غاية في الصعوبة.
ورغم هذا الضجيج الإعلامي المحموم، أكد منتصر عمران أن هذه المحاولات تواجه عقبات بنيوية واجتماعية حاسمة؛ في مقدمتها الوعي المتراكم لدى الأسرة المصرية التي عايشت مرارة الانفلات والفوضى وترفض تكرارها، إلى جانب طبيعة جيل "زد" نفسه الذي يميل إلى الفردية والاستقلالية، ويرفض بشكل قاطع فكرة السمع والطاعة العقائدية التي يقوم عليها صلب الفكر الإخواني.
واختتم عمران تصريحاته بالإشارة إلى أن حائط الصد الأقوى تمثل في نجاح الدولة المصرية، خلال السنوات الأخيرة، في تطوير منظومة يقظة سيبرانية ومعلوماتية عالية المستوى، أسهمت بكفاءة في تفكيك مئات اللجان الإلكترونية وتجفيف مسارات التمويل الرقمي المشبوه، وهو ما جعل التأثير الحقيقي لتلك المنصات محدودًا للغاية على أرض الواقع، ولا يتعدى كونه ظاهرة صوتية في الفضاء الافتراضي.



