أزمة الطاقة: بين الوعود المنسية وحلول إدارة الأزمات خارج الصندوق
أزمة الطاقة: الوعود المنسية وحلول إدارة الأزمات

أزمة الطاقة: الذاكرة المؤسسية المفقودة والوعود المنسية

في عالم يتسم بالتغيرات السريعة، تبرز آفة النسيان ليس كمجرد ظاهرة أدبية، بل كخلل منهجي يطال بنية تصريحات المسؤولين. فالأزمات الراهنة، خاصة في مجال الطاقة، لا يمكن فهمها بمعزل عن تراكم الوعود السابقة، حيث يربط الخط الزمني بين ما قيل وما تحقق على أرض الواقع.

الوعد بالاكتفاء الذاتي والفجوة بين التوقع والواقع

عند استحضار تصريح الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بشأن تحقيق الاكتفاء الذاتي من المنتجات البترولية بحلول عام 2023، فإن هذا لا يمثل استدعاءً انتقائيًا، بل يؤسس لقاعدة تقييم قائمة على الاستمرارية والمساءلة. فالفارق بين التوقع والواقع ليس مجرد هامش خطأ، بل هو فجوة تعكس خللًا في قراءة المتغيرات أو في بناء السيناريوهات المستقبلية.

من خطاب التمكين إلى ممارسة الاحتواء: إجراءات التقشف الحالية

مع تحول هذه الفجوة إلى إجراءات تقشفية مباشرة، مثل فرض مواعيد إغلاق موحدة، نجد انتقالًا من خطاب التمكين إلى ممارسة الاحتواء، دون مراحل وسيطة تعيد تصميم السياسات وفق المعطيات الجديدة. وهذا يسلط الضوء على أزمة الطاقة ليس كأزمة موارد فحسب، بل كأزمة إدارة وتقدير.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

حلول خارج الصندوق: رؤية الدكتور محمد حسين لإدارة الطاقة

في هذا السياق، تكتسب المقترحات التي طرحها الدكتور محمد حسين، أستاذ الإدارة والتغيير بجامعة لندن، أهمية بالغة. فهي لا تمثل حلولًا جزئية، بل نموذج تفكير مختلف يعيد تعريف الترشيد من كونه تقليصًا كميًا إلى إدارة نوعية للزمن والطلب.

  • رفض توحيد مواعيد الإغلاق: ينطلق من إدراك اختلاف طبيعة الأنشطة، ليُستبدل بها تصور يمنح كل نشاط عدد ساعات تشغيل محدد يختاره وفق احتياجاته الفعلية.
  • نظام التناوب الزمني بين المناطق: يهدف إلى توزيع الأحمال الكهربائية جغرافيًا، مما يحافظ على استمرارية الدورة الاقتصادية دون اختناقات.
  • الحصص التشغيلية الأسبوعية: تقدم بديلًا مرنًا للقيود اليومية، مما يسمح بإعادة توزيع ساعات العمل وفق ذروات الطلب الحقيقية.
  • التمييز بين الأنشطة: بمنح القطاعات المسائية مثل المطاعم نطاق تشغيل يتوافق مع منطقها الاقتصادي، مع تقليص التشغيل الصباحي الأقل جدوى.

إعادة تصنيف الأنشطة ودور الحوافز في تعزيز الامتثال

يتسع هذا التصور ليشمل إعادة تصنيف الأنشطة وفق أهميتها، بالتمييز بين ما هو حيوي مرتبط بسلاسل الإمداد والخدمات اليومية، وما هو ترفيهي أو كمالي. كما يكتمل الإطار بإدخال عنصر الحوافز، عبر ربط الالتزام بمعايير الترشيد بمزايا ملموسة، مما يحول العلاقة بين الدولة والسوق من فرض إلى شراكة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الخلاصة: من إدارة الأزمات إلى إدارة التوازن

إن الربط المنهجي بين الوعد بالاكتفاء الذاتي وإجراءات الترشيد الحالية يكشف أن جوهر الأزمة ليس في ندرة الطاقة، بل في غياب إدارة ديناميكية لها. فالدولة التي تتعلم من فجوة الوعد والواقع، وتعيد هندسة سياساتها وفق هذا التعلم، تحتاج إلى إعادة توزيع ذكية للموارد بدلًا من إجراءات صادمة. وهكذا، يصبح استدعاء مقولة نجيب محفوظ عن النسيان فعلًا تحليليًا يضع اليد على جوهر المسألة: حين تُستعاد الذاكرة المؤسسية، تتحول التجربة إلى سياسة أكثر اتساقًا مع الواقع.