أطباء بلا حدود: لبنان يواجه أزمة إنسانية حادة وسريعة التفاقم بعد التصعيد الإسرائيلي
أطباء بلا حدود: أزمة إنسانية حادة في لبنان

قالت أدريانا بالوما، منسقة مشروع أطباء بلا حدود في النبطية بجنوب لبنان، إن لبنان يواجه أزمة إنسانية حادة وسريعة التفاقم بعد تصعيد إسرائيل لهجماتها وقصفها في لبنان أوائل مارس. وأضافت أنه قُتل أكثر من 3613 شخصًا وأصيب أكثر من 11072 آخرين حتى يونيو الجاري، ومن بينهم ضحايا سقطوا جراء هجمات ذات طبيعة عشوائية شنتها القوات الإسرائيلية على مناطق مكتظة بالسكان.

تفاقم الأزمة الإنسانية

وأضافت بالوما في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط اليوم، أن الجيش الإسرائيلي يواصل إصدار أوامر التهجير القسري، بما في ذلك في المدن الكبرى جنوب البلاد، حيث تتواجد فرق أطباء بلا حدود حاليًا في النبطية وصور. ومنذ 2 مارس، تأثرت 294 بلدية من أصل 1200 بلدية في لبنان بما لا يقل عن أمر تهجير قسري واحد، وهو ما يمثل 25 في المئة من مساحة الأراضي حتى 8 يونيو الجاري، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وحتى الآن، أجبرت هذه الإجراءات أكثر من مليون شخص على ترك منازلهم، وعزلت الذين لا يرغبون بالمغادرة أو غير القادرين عليها، بمن فيهم كبار السن والأطفال والأشخاص ذوو الاحتياجات الخاصة، وزادت من تعرضهم للعنف. وأكدت أن أوامر التهجير القسري المتكررة ومفتوحة المدة تحرم السكان من الشعور بالأمان.

الاحتياجات الطبية والإنسانية

وعن أبرز الاحتياجات الطبية التي تم رصدها خلال الأشهر الأخيرة، أشارت بالوما إلى أن المهجرين قسرًا يأوون إلى أماكن غير ملائمة كالخيام في الشوارع، ويعانون من نقص في الاحتياجات الأساسية مثل البطاطين ومستلزمات النظافة الشخصية والتنظيف، كما يحتاج السكان إلى المياه النظيفة والمراحيض والغذاء والرعاية الطبية والدعم النفسي. وأوضحت أن الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة يواجهون انقطاعًا في الرعاية الصحية، ما يعرضهم لخطر الإصابة بمضاعفات، فيما لا تستطيع النساء الحوامل متابعة الزيارات الطبية والفحوصات اللازمة. كما تتزايد الاحتياجات المرتبطة بالصحة النفسية بشكل كبير، إذ فقد كثيرون أفرادًا من عائلاتهم ومنازلهم واضطروا إلى النزوح مرارًا وتكرارًا.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وأضافت أن الغارات الإسرائيلية لا تزال تتسبب بإصابة وقتل السكان في مختلف أنحاء لبنان، فيما تستقبل فرق أطباء بلا حدود أعدادًا كبيرة من المرضى المصابين، بمن فيهم الأطفال، والذين يحتاجون إلى مستويات عالية من الرعاية الطارئة ورعاية الإصابات البالغة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ضغوط على القطاع الصحي

وحول قدرة المراكز الصحية والمستشفيات على تقديم الخدمات بشكل طبيعي، أوضحت بالوما أن خدمات الرعاية الصحية في جنوب لبنان تُقدَّم في ظل ضغوط وانعدام أمن شديدين، حيث اضطرت مرافق كثيرة إلى الإغلاق نتيجة أوامر التهجير القسري، بينما تواجه مرافق أخرى نقصًا في الكوادر بسبب النزوح. وأضافت أن مستشفيات عديدة تواصل العمل مع التركيز على الرعاية الطارئة والإحالات الطبية، لكنها تضطر أحيانًا إلى إغلاق أقسام أخرى، ما يحد من استمرارية الرعاية للخدمات غير الطارئة وغير المرتبطة بإنقاذ الأرواح. وأشارت إلى أن هذه المستشفيات تواجه ضغطًا متواصلًا بسبب تكرار حوادث الإصابات الجماعية وإمكانية وقوع الغارات في أي وقت ومكان.

ولفتت إلى أنه في الأول من يونيو شن الجيش الإسرائيلي غارة جوية على محيط مستشفى جبل عامل الذي تدعمه أطباء بلا حدود في صور، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 127 آخرين، بينهم 39 من طاقم المستشفى، لتسجل هذه الغارة أكبر عدد من الإصابات بين العاملين في الرعاية الصحية في حادثة واحدة. وأكدت أن طواقم المستشفيات في مناطق مثل النبطية تواصل عملها رغم الظروف الصعبة، وغالبًا ما تضطر إلى المبيت داخل المستشفيات، الأمر الذي يحد من راحتها. كما تتفاقم تحديات الوصول بسبب القصف المتكرر للبنية التحتية المدنية، بما في ذلك الجسور والطرق الرئيسية، ما يعزل المدن والقرى الواقعة جنوب نهر الليطاني عن بقية أنحاء البلاد.

وأضافت أن المسعفين يُقتلون بشكل شبه يومي، وتتعرض سيارات الإسعاف للاستهداف، فيما تضطر فرق الإنقاذ إلى تعديل أساليب عملها خشية التعرض للاعتداء. وأكدت أن العاملين في القطاع الصحي اللبناني يقدمون الرعاية المنقذة للحياة تحت ضغط هائل، وعندما يتعذر على فرق الطوارئ الوصول إلى الجرحى ترتفع أعداد الوفيات التي كان من الممكن تجنبها. وكشفت أنه خلال الفترة الممتدة بين 2 مارس ويونيو الجاري، تضرر 17 مستشفى في مختلف أنحاء لبنان، واضطرت ثلاثة مستشفيات إلى الإغلاق، كما تضرر 13 مركزًا صحيًا وأُغلق 44 مركزًا، ما أدى إلى مزيد من تقييد الوصول إلى الرعاية الصحية.

تأثير العمليات العسكرية على الرعاية الصحية

وعن تأثير العمليات العسكرية على حصول السكان على الرعاية الصحية، قالت بالوما إن الاحتياجات الصحية تتزايد بشكل هائل، بينما تتراجع القدرة على الوصول إلى الرعاية في العديد من المناطق الأكثر تضررًا بالعنف. وأوضحت أن المستشفيات، خصوصًا في جنوب لبنان، تواجه ضغوطًا كبيرة بسبب الإصابات الجماعية وتكافح لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المصابين. وأضافت أن كثيرًا من السكان لا يستطيعون الوصول إلى الخدمات الطبية بسبب الهجمات المستمرة والخوف والتهجير، فيما انقطع مرضى الأمراض المزمنة عن علاجاتهم الأساسية، وتعذرت على النساء الحوامل متابعة الرعاية الطبية قبل الولادة، بينما شهدت حالات القلق والصدمات والاكتئاب ارتفاعًا حادًا نتيجة النزوح المتكرر والخسائر المتلاحقة.

الصحة النفسية والخدمات المقدمة

وفي ما يتعلق باحتياجات الصحة النفسية، أشارت بالوما إلى أن فرق أطباء بلا حدود تدير في مختلف أنحاء لبنان عيادات متنقلة تضم اختصاصيين نفسيين ومرشدين يقدمون الرعاية النفسية للسكان المهجرين، إضافة إلى فرق متنقلة متخصصة في الصحة النفسية تقدم الدعم المباشر في المناطق ذات الاحتياجات المرتفعة. وقالت إنه منذ تصعيد الحرب في 2 مارس، قدمت أطباء بلا حدود الرعاية النفسية لأكثر من 24634 شخصًا. كما أطلقت المنظمة خطًا هاتفيًا للصحة النفسية للوصول إلى الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في الوصول إلى الرعاية، بمن فيهم القاطنون في المناطق النائية، وقد تلقت الفرق حتى الآن أكثر من 300 مكالمة.

وحول عدد المستفيدين من خدمات أطباء بلا حدود في الجنوب وخلال الفترة الأخيرة، أوضحت بالوما أنه حتى نهاية مايو 2026 قدمت المنظمة في مختلف مناطق لبنان 60703 استشارات طبية، و12367 استشارة في مجال الصحة الإنجابية، كما استفاد 24634 شخصًا من جلسات الصحة النفسية، واستفاد 90930 شخصًا من جلسات التوعية الصحية.

رسالة إلى المجتمع الدولي

ووجهت بالوما رسالة إلى المجتمع الدولي أكدت فيها أن الهجمات المتكررة على المرافق الصحية تعكس فشلًا جسيمًا في حماية المهمات الطبية وتقيّد توفير الرعاية بشكل خطير. ودعت إلى حماية العاملين في المجال الصحي وسيارات الإسعاف والمرافق الصحية والالتزام الكامل بالقانون الدولي الإنساني. وأضافت أنه خلال الفترة الممتدة بين 2 مارس وحتى الآن، وثقت منظمة الصحة العالمية 196 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية، أسفرت عن مقتل 131 عاملًا في الرعاية الصحية وإصابة 379 آخرين.

خطط أطباء بلا حدود المستقبلية

وعن خطط أطباء بلا حدود للمرحلة المقبلة في حال استمرار التوترات الأمنية، أوضحت أن المنظمة تواصل تكييف أنشطتها وفقًا للاحتياجات المتغيرة للسكان والظروف الميدانية، وستستمر في تقييم الوضع وتعديل عملياتها لضمان وصول المساعدة إلى الفئات الأكثر حاجة. وأكدت أن التزام أطباء بلا حدود لا يزال ثابتًا في تقديم الدعم الطبي والإنساني غير المتحيز للسكان الأشد حاجة، مع مواصلة البحث عن جميع السبل الممكنة للوصول إلى المحتاجين، مع إعطاء الأولوية لسلامة المرضى والمجتمعات المحلية والطواقم العاملة.

الفئات الأكثر احتياجًا

وفي ما يتعلق بالفئات الأكثر احتياجًا للدعم العاجل، أشارت بالوما إلى أن اللاجئين والعمال المهاجرين والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة يواجهون عوائق إضافية في الحصول على الإغاثة والرعاية الصحية والمأوى الآمن، وغالبًا ما يتم استبعادهم من أنظمة الدعم الرسمية. وأضافت أنه رغم الجهود التي يبذلها النظام الصحي المحلي والمنظمات والمتطوعون للاستجابة للاحتياجات المتزايدة، فإنهم يعملون في ظل نظام صحي منهك وموارد محدودة، ما يؤدي إلى استنزاف قدرات الاستجابة المحلية ويجعل الحاجة ملحة لتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية.

نقص التمويل الإنساني

وحول تقييمها لحجم المساعدات الإنسانية المقدمة مقارنة بالاحتياجات الفعلية على الأرض، قالت بالوما إن تغطية 30 في المئة فقط من نداء التمويل تعني أن النظام الإنساني يعمل بجزء ضئيل من الإمكانات المطلوبة. وأوضحت أنه رغم أن أطباء بلا حدود تمول عملياتها بشكل مستقل وتواصل عملها في لبنان، فإن فرقها تلمس يوميًا تداعيات النقص الواسع في التمويل، حيث يصل المرضى متأخرين بسبب انهيار مسارات الإحالة، وتنفد إمدادات المرافق الصحية، بينما يواجه السكان أزمات إنسانية متعددة.