المسيرات.. السلاح المعجزة الذي يعيد تشكيل موازين القوى العسكرية
في خضم الصراعات العسكرية التي اندلعت منذ نحو ثلاثة أعوام، ولا سيما الحرب الأوكرانية والحرب الإيرانية، برزت كثافة استخدام المُسيَّرات (الطائرات دون طيار) كسمة بارزة. ومن اللافت أن الطرف الأضعف وفق معايير القوة التقليدية كان الأكثر توظيفًا لها، مما مكنه من تعزيز موقعه في المعارك بشكل مذهل.
يؤكد الخبراء العسكريون أن المُسيَّرات ستعيد رسم قواعد المعارك والاشتباك العسكري بصورة جذرية. ومع توسع استخدامها في الصراعات القائمة وتسارع إنتاجها وتطويرها من قبل جيوش العالم، يبدو أنها ستقلب موازين القوة العسكرية رأسًا على عقب، إلى جانب أنماط القوة التقليدية. فبفضل مميزاتها الرهيبة، أصبحت المُسيَّرات سلاحًا سحريًا معجزًا، خاصة في أيدي الدول الصغيرة والضعيفة عسكريًا.
المميزات الحاسمة للمُسيَّرات
تأتي في مقدمة تلك المميزات التكلفة الزهيدة للإنتاج مقارنة بالمقاتلات التقليدية، حيث تتراوح تكلفة المُسيَّرة الواحدة بين 5 آلاف دولار و100 ألف دولار للمُسيَّرة الاستراتيجية، في حين أن الحد الأدنى لإنتاج مقاتلة حربية ذات قدرات تقليدية يبلغ 10 ملايين دولار. والمفارقة أن المُسيَّرات أصبحت تقوم بمعظم أعمال المقاتلة الحربية، وتقترب من التفوق عليها في غضون عقد من الزمن.
توفر المُسيَّرات أيضًا مميزات خطيرة أخرى، منها تعويض العنصر البشري وتجنب التضحية بالمقاتلين. كما تتميز بسهولة المناورة والتخفي من أنظمة المراقبة، خاصة في ظل الطفرة الرهيبة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب القدرة على التجسس والتصويب عن بُعد بدقة فائقة، فضلاً عن مزايا أخرى مثل التمويه والإرباك والردع الدفاعي.
تمكين الدول الضعيفة عسكريًا
يتضح من الصراعات القائمة حقيقة جوهرية، وهي أن المُسيَّرات تمكن الدول الأضعف عسكريًا من الصمود وإنهاك الخصم، وربما الحسم في المدى البعيد. ففي اليوم الأول للحرب الأوكرانية، كانت المُسيَّرات السلاح الأول الذي أمدت به أوروبا أوكرانيا، ولم تمضِ ستة أشهر حتى أعلنت أوكرانيا عن تدشين إنتاج ضخم للمُسيَّرات، وصولاً إلى إرسال خبرائها لدول الخليج لمساعدتها في التصدي للمُسيَّرات الإيرانية.
في البداية، أثار التركيز الأوكراني الأوروبي على المُسيَّرات سخرية الكثيرين حتى الروس، لكن سرعان ما اتضحت أهميتها الخطيرة عندما بدأت أوكرانيا في توجيه ضربات قاتلة لمواقع عسكرية استراتيجية داخل روسيا. ومؤخرًا، أحدثت أوكرانيا اختراقًا واسعًا بضرب منشآت طاقة وقواعد بحرية في العمق الروسي بواسطة المُسيَّرات. كما تمكنت عبر المُسيَّرات من التجسس على مواقع روسية، مما وضع روسيا، ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم، في موضع شديد الإحراج، بل تشير تقارير عدة إلى تخبط روسي كبير في خططها الحربية.
الاختراق الأوكراني والاستنزاف
الاختراق الأوكراني عبر المُسيَّرات لا يعني بالقطع تفوقًا في القوة على روسيا، ولا حسمًا للمعركة لصالحها، لكنه يمثل صمودًا مذهلاً بالمقارنة بميزان القوة العسكرية الشاسع مع موسكو، واستنزافًا مطردًا للقوة الروسية، وضغطًا شديدًا على القيادة الروسية قد يعجل بتسوية للحرب دون حصول روسيا على مكاسب كبيرة. فذلك الضغط والاستنزاف المستمر يحرج القيادة الروسية أمام شعبها وجيشها.
ومن هنا، فهم الجميع التركيز الأوكراني منذ البداية على المُسيَّرات، فالغرض كان الاستنزاف بأقل تكلفة دون إجبار روسيا على المزيد من التوسع وربما استخدام السلاح النووي.
دور المُسيَّرات في الصراع الإيراني
رغم استخدام إيران بشكل سافر لسلاح المُسيَّرات ضد دول الخليج، ونجاح دول الخليج المذهل في صد أغلبها، لا يمكن إنكار أن ورقة المُسيَّرات ضد دول الخليج قد أسهمت في تقوية موقف إيران وإجبار الولايات المتحدة على الهدنة والتفاوض. فالتوسع المفرط لإيران في استخدام المُسيَّرات برهن على فعاليتها الكبيرة في الصمود والاستنزاف للدول غير القادرة على إنتاج أسلحة استراتيجية مكلفة، وكذلك غير القادرة على مجابهة أكبر جيوش العالم قوة وتقدمًا.
إيران كانت من الدول السباقة في إنتاج المُسيَّرات، حيث تنتجها بكثافة كبيرة وبطرازات متطورة وتصدرها للخارج خاصة لروسيا، وربما كانت على يقين أن المُسيَّرات ستكون قوتها الرئيسة الحاسمة في ظل أوضاعها الاقتصادية الخانقة وحرب مرتقبة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
المستقبل: تغيير شكل الجيوش
بدأت المُسيَّرات كلعب إلكترونية للمراهقين، لكنها تحولت إلى سلاح استراتيجي فتاك. في عهد المُسيَّرات، ستتغير أشكال الجيوش بصورة جذرية، وربما ستصبح المقاتلات الحربية أطلالاً من الماضي. والأهم أن توازن القوة العسكري بين الدول سيتحول رأسًا على عقب. فبتكلفة إنتاج زهيدة، تستطيع دول صغيرة عسكريًا وسكانيًا وجغرافيًا إنتاج الملايين من المُسيَّرات، مما يجعلها قادرة على اختراق وشل واستنزاف خصمها الكبير المهدد حتى في قدراته النووية، وهذا ما تفكر فيه الولايات المتحدة جديًا في إطار صراع تايوان مع الصين.



