حلت ظاهرة النينيو المناخية من جديد، مما أثار مخاوف شديدة لدى خبراء الأرصاد الجوية من أن تكون هذه الظاهرة العالمية مهيأة لتكرار حدث مناخي مميت ومتطرف أودى سابقاً بحياة أكثر من 50 مليون شخص حول العالم. تتمثل هذه الظاهرة في نمط مناخي طبيعي يتشكل عندما ترتفع درجات حرارة المياه في المحيط الهادئ عن معدلاتها المعتادة، مما يتسبب في تغيير أنماط الطقس السائدة في مختلف أنحاء الكرة الأرضية لفترة زمنية لا تقل عن عدة أشهر.
ارتفاع درجات الحرارة ومخاوف من ظاهرة النينو
أعلن المسؤولون يوم الخميس أن ظروف المحيط قد شهدت ارتفاعاً في درجات الحرارة إلى الحد الذي أصبحت فيه ظاهرة النينيو نشطة بالفعل، مع وجود احتمالية كبيرة لاستمرارها حتى العام المقبل. بناءً على ذلك، صرح متحدث باسم الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) بأن ظروف النينيو قائمة حالياً، ومن المتوقع لها أن تشتد وتتزايد قوتها خلال فصل الشتاء الممتد بين عامي 2026 و2027 في نصف الكرة الشمالي، وفقاً لصحيفة الديلي ميل البريطانية.
يشير هذا الإعلان الصادر عن الوكالة إلى رصد درجات حرارة لسطح البحر تتجاوز المتوسط المعتاد بمقدار 0.9 درجة فهرنهايت على الأقل، وسط توقعات ببقائها على هذا النحو المرتفع في المستقبل المنظور. تتزايد مخاوف علماء المناخ من إمكانية تحول هذا الحدث الجوي المتكرر بحلول نهاية العام إلى ما يُعرف بظاهرة «جودزيلا» أو «سوبر» إل نينيو، وهو مصطلح يعني قفز درجات حرارة سطح البحر إلى 3.6 درجة فهرنهايت فوق المعدل الطبيعي أو حتى أعلى من ذلك، وهو المستوى الذي تصنفه الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) على أنه حدث قوي. عززت الوكالة هذه المخاوف بتأكيدها يوم الخميس على وجود احتمال تصل نسبته إلى 63% بأن تتطور ظاهرة النينيو وتتحول إلى ظاهرة قوية جداً في الفترة الواقعة بين نوفمبر 2026 ويناير 2027.
التبعات التاريخية ومقارنتها بالواقع الحالي
توقع مسؤولو المناخ أن تكون ظاهرة النينيو الحالية واحدة من أقوى الظواهر المرصودة منذ عام 1950، حيث تسود مخاوف حقيقية من أن تضاهي في شدتها الحدث التاريخي الكارثي الذي وقع عام 1877؛ وهو الحدث الذي أسفر آنذاك عن جفاف قاسٍ وفشل واسع النطاق في المحاصيل الزراعية في شتى أنحاء العالم، مما ساهم في وفاة أكثر من 50 مليون شخص على مستوى العالم.
يرى العديد من مؤرخي المناخ أن حدث عام 1877 نجح في إعادة تشكيل التاريخ العالمي، بل ويعتبره البعض واحداً من أوائل الكوارث المناخية العالمية الحقيقية في العصر الحديث. وقد نتج ذلك الدمار الهائل الذي ضرب قارات متعددة لمجرد حدوث زيادة بلغت 4.86 درجة فهرنهايت فقط في درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادئ. كشف إعلان يوم الخميس أن منطقة وسط المحيط الهادئ سجلت ارتفاعاً تجاوز المعدل الطبيعي بمقدار 1.3 درجة فهرنهايت، وهو ما يتخطى عتبة ظاهرة النينيو المحددة بـ 0.9 درجة فهرنهايت. فوق ذلك، كشفت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) أن مياه المحيط في شرق المحيط الهادئ تحديداً قد ارتفعت بالفعل بشكل حاد لتصل إلى 3.8 درجة فهرنهايت فوق المعدل الطبيعي، ويعد هذا النمط الذي تشهد فيه المياه الشرقية دفئاً متزايداً مؤشراً شائعاً جداً وصريحاً على تطور ظاهرة نينيو قوية.
تأثير ظاهرة النينيو على مسار التيار الطبيعي
أوضح كبير خبراء الأرصاد الجوية في مؤسسة AccuWeather، تشاد ميريل، في بيان له أن معظم ظواهر النينيو تبدأ عادة في فصل الخريف، مما يعني أن هذه الظاهرة الحالية تتطور في وقت أبكر وبسرعة أكبر بكثير مما كان متوقعاً لها. تتسبب ظاهرة النينيو داخل الولايات المتحدة في إحداث تأثير كبير ومباشر على مسار التيار النفاث الطبيعي، الذي يتدفق عادة من الغرب إلى الشرق فوق وسط البلاد؛ حيث يؤدي تأثير ظاهرة النينيو إلى تسخين مياه المحيط الهادئ، مما يدفع هذا التيار النفاث نحو الجنوب ليتدفق فوق الولايات الجنوبية وولايات الخليج.
ينتج عن هذا الانزياح في التيار النفاث طقس أكثر رطوبة في المناطق الجنوبية، وأكثر جفافاً في مناطق الغرب الأوسط، وأكثر دفئاً في شمال غرب المحيط الهادئ والسهول الشمالية. أضاف ميريل أن هذا الوضع سيؤدي إلى تفاقم أزمة الجفاف في شمال غرب البلاد وجبال روكي الشمالية، في حين سيعمل على تقليل شدة الجفاف وانتشاره في المناطق الجنوبية الغربية، ولكنه لن يساهم في القضاء على الجفاف طويل الأمد في مناطق جنوب شرق ووسط المحيط الأطلسي حتى نصل إلى أواخر فصل الخريف وأوائل فصل الشتاء.
تحذيرات من موجات جفاف متعددة السنوات
في السياق ذاته، حذرت ديبتي سينغ، المشاركة في جامعة ولاية واشنطن، من إمكانية حدوث موجات جفاف متعددة السنوات متزامنة ومماثلة لتلك التي حدثت في سبعينيات القرن التاسع عشر مرة أخرى. أكدت سينغ أن الاختلاف الجوهري والخطير الآن يكمن في أن غلافنا الجوي ومحيطاتنا أصبحت اليوم أكثر دفئاً بشكل ملحوظ وبدرجة كبيرة مما كانت عليه في سبعينيات القرن التاسع عشر، مما يترتب عليه أن الظواهر المناخية المتطرفة المرتبطة بهذا الارتفاع قد تكون أكثر تطرفاً وحدة وتدميراً.



