مبادرة ARISE: رؤية جديدة للتعاون المالي العربي الأوروبي
مبادرة ARISE للتعاون المالي العربي الأوروبي

أطلق الأمين العام لاتحاد الغرف العربية، الدكتور خالد حنفي، مبادرة جديدة تحت اسم "مبادرة المرونة العربية الأوروبية للاقتصاد الاستراتيجي" (ARISE)، وذلك خلال كلمته في افتتاح القمة الاقتصادية والمصرفية العربية الأوروبية 2026، التي عُقدت في باريس تحت رعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. تهدف المبادرة إلى إنشاء منصة متكاملة لدعم المرونة الاقتصادية والمالية في منطقة البحر المتوسط والعالم العربي وأوروبا.

مشاركة واسعة في القمة

شهدت القمة مشاركة عدد من الشخصيات البارزة، من بينهم وزير المالية القطري علي بن أحمد الكواري، ورئيس اتحاد المصارف العربية محمد الأتربي، والأمين العام الدكتور وسام فتوح، ورئيس الغرفة العربية الفرنسية راؤول دولامار، والمدير العام للفدرالية المصرفية الفرنسية مايا عتيق، والمدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي الدكتور محمد معيط، إلى جانب رؤساء بنوك ومؤسسات مالية عربية وأوروبية، فضلاً عن ممثلين عن العديد من المنظمات الاقتصادية من الجانبين العربي والأوروبي.

أربعة محاور رئيسية للمبادرة

أوضح الدكتور حنفي أن العالم اليوم لا يحتاج فقط إلى المزيد من التمويل، بل إلى تمويل أكثر ذكاءً وقدرة على تعزيز الاستقرار والتكيف مع المتغيرات العالمية. وأشار إلى أن مبادرة ARISE ترتكز على أربعة محاور رئيسية:

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام
  • أولاً: نافذة تمويل المرونة الاقتصادية لدعم سلاسل الإمداد، والممرات اللوجستية، والأمن الغذائي، والتحول الرقمي، والصناعة الخضراء، والطاقة المتجددة.
  • ثانياً: برنامج Euro-Arab SME Shield لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مواجهة اضطرابات التجارة العالمية، والتضخم، وتقلبات الأسواق.
  • ثالثاً: ممر التجارة الرقمية والذكاء الاصطناعي بهدف تطوير التجارة الرقمية، والخدمات المالية الذكية، والأمن السيبراني، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي.
  • رابعاً: مركز الرصد الاستراتيجي للمخاطر الاقتصادية لمتابعة المخاطر الجيوسياسية، ومخاطر التجارة العالمية، واضطرابات سلاسل الإمداد، والضغوط المالية واللوجستية.

بناء اقتصادات قادرة على الصمود

أكد حنفي أن المبادرة لا تستهدف تمويل النمو فحسب، بل تسعى إلى بناء اقتصادات أكثر قدرة على الصمود والتكيف في عالم يتجه نحو مستويات أعلى من عدم اليقين. وأضاف أن العالم يشهد اليوم إعادة تشكيل للنظام الاقتصادي والمالي العالمي في ظل تداخل غير مسبوق بين التوترات الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل الإمداد، والتقلبات المالية، والتسارع التكنولوجي، وتحولات أسواق الطاقة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وأشار إلى أن عصر العولمة القائم على الكفاءة المطلقة قد انتهى، وأن العالم ينتقل تدريجياً نحو نموذج جديد يقوم على المرونة الاقتصادية (Resilience-driven Globalization) باعتبارها شرطاً أساسياً للاستقرار والنمو. وفي هذا السياق، لم يعد الاستقرار المالي منفصلاً عن الاستقرار الجيوسياسي، كما لم تعد المصارف مجرد وسطاء ماليين، بل أصبحت أحد أهم ركائز الصمود الاقتصادي من خلال دورها في امتصاص الصدمات والحفاظ على الثقة ودعم استمرارية النشاط الاقتصادي.

إعادة تشكيل سلاسل الإمداد

أوضح أن هذا التحول ينعكس بوضوح في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز السيادة التكنولوجية، وتزايد أهمية الممرات التجارية واللوجستية الاستراتيجية. فمع استمرار انتقال أكثر من 80% من التجارة العالمية عبر البحار، أصبح أمن الممرات البحرية ومرونة الخدمات اللوجستية والاستقرار المالي عناصر مترابطة بصورة غير مسبوقة.

وأضاف أن منطقة البحر المتوسط تعود اليوم لتبرز كممر استراتيجي عالمي للمرونة الاقتصادية يربط أوروبا بالعالم العربي وأفريقيا وآسيا، مؤكداً أن العلاقات العربية الأوروبية لم تعد قائمة فقط على التجارة والاستثمار، بل على مصالح استراتيجية مشتركة وتحديات وفرص متبادلة.

فرص واسعة للتعاون

أشار حنفي إلى أن العالم العربي، الذي يضم أكثر من 460 مليون نسمة وناتجاً محلياً يقترب من 4 تريليونات دولار، وأكثر من 60% من سكانه من الشباب، يوفر فرصاً واسعة لتعزيز التعاون العربي الأوروبي في مجالات التمويل والتجارة والتحول الرقمي والخدمات اللوجستية والصناعة الخضراء والطاقة والأمن الغذائي والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي.

وأكد أن الذكاء الاصطناعي يمثل أكبر تحول يشهده القطاع المالي منذ ظهور الخدمات المصرفية الرقمية، حيث يعيد تشكيل عمليات تقييم الجدارة الائتمانية وتمويل التجارة وإدارة المخاطر ومكافحة الاحتيال والامتثال والأمن السيبراني والشمول المالي. وفي المقابل، أصبحت المخاطر السيبرانية من أبرز التحديات النظامية التي تواجه الاقتصاد العالمي، في وقت يُتوقع أن تتجاوز فيه خسائر الجرائم الإلكترونية عالمياً 10 تريليونات دولار قبل نهاية العقد الحالي.

تمويل المرونة الاقتصادية

لفت حنفي إلى أن الدين العالمي تجاوز 300 تريليون دولار، بالتزامن مع تصاعد الضغوط على النمو والاستثمار والاستقرار النقدي، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في مفهوم التمويل نفسه. وقال: "لم يعد السؤال الأساسي اليوم كيف نمول النمو فقط، بل كيف نمول المرونة الاقتصادية؟ وكيف نمول سلاسل الإمداد الآمنة، والقدرة على التكيف الاقتصادي، والاستقرار الاستراتيجي في عالم يتجه نحو المزيد من التشظي وعدم اليقين؟".

وختم بالتأكيد على أن التعاون المالي والاقتصادي العربي الأوروبي لم يعد خياراً إضافياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية، لأن التمويل في جوهره لا يتعلق فقط بإدارة الأموال، بل بإدارة الثقة والاستقرار وصناعة المستقبل.