تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى استشهاد القديس بقطر بن رومانيوس، أحد أبرز الشهداء الذين خلدهم التراث القبطي في عصر الاضطهادات الرومانية.
نشأته ومسيرته
تروي السنكسارات الكنسية أن بقطر بن رومانيوس كان وزيرًا في بلاط الإمبراطور دقلديانوس، وقد ربته أمه مرتا على المبادئ المسيحية منذ صغره، فنشأ ثابت الإيمان، ملازمًا للصوم والصلاة، حريصًا على تفقد المسجونين ومساعدة الضعفاء والمساكين. وبفضل اجتهاده وحنكته، ارتقى في مراتب الدولة حتى صار الثالث في ترتيب المملكة، وكان آنذاك في العشرين من عمره.
مواقف بطولية
من أبرز المواقف التي خلدتها سيرته، أنه حين قطع رأس القديسة ثاؤذورا، والدة القديسين قزمان ودميان، لم يجرؤ أحد على دفن جسدها خوفًا من بطش الملك، فتقدم بقطر بشجاعة وكفن الجسد ودفنه، غير عابئ بالأوامر الملكية، في موقف جسد عمق إيمانه وعدم اكتراثه بالتهديد.
وتشير الروايات إلى أنه كان كثيرًا ما يوبخ والده بسبب عبادته للأوثان، فوشي به إلى الملك. فاستدعاه دقلديانوس وطلب منه السجود للأوثان طاعة للأمر الملكي، إلا أن بقطر حل منطقة الجندية من وسطه وألقاها أمام الملك قائلًا: «خذ عطيتك التي أعطيتنيها»، معلنًا رفضه القاطع التراجع عن إيمانه.
التعذيب والاستشهاد
وبمشورة والده، تقرر إرساله إلى الإسكندرية ليعذب هناك. وفي طريقه، ودع أمه باكية، فأوصاها بالمساكين والأرامل والمنقطعين. وعند وصوله، تولى الوالي أرمانيوس تعذيبه بأنواع متعددة من العذاب، دون أن ينجح في زعزعة إيمانه، ثم أرسل إلى والي أنصنا الذي واصل تعذيبه، حتى قطع لسانه واقتلعت عيناه.
وتذكر السيرة أن الرب كان يقويه في كل مرة، وأن صبية في الخامسة عشرة من عمرها كانت تراقب ما يحدث من شباك منزلها، فرأت إكليلاً نازلاً على رأسه أثناء العذاب. فأعلنت ما رأته أمام الوالي والحاضرين، فصدر الأمر بقطع رأسها مع رأس القديس بقطر، لينالا معًا إكليل الحياة.
إرث خالد
ويشير المؤرخون إلى أن حيًا في الإسكندرية لا يزال يعرف حتى اليوم باسم «البقطرية»، نسبة إلى هذا القديس، ما يرجح وجود كنيسة كانت تحمل اسمه في هذه المنطقة، وبقي الاسم شاهدًا على حضوره في الذاكرة الشعبية والروحية للمدينة.
وتبقى سيرة بقطر بن رومانيوس واحدة من الصفحات المضيئة في سجل الشهداء، تجسد ثبات الإيمان في وجه السلطة، وترسخ نموذجًا للتضحية التي تجاوزت المكانة والنفوذ، لتصنع ذكرى خالدة في تاريخ الكنيسة.



