بدأ حجاج بيت الله الحرام في موسم الحج 2026 النفرة من مشعر عرفات الطاهر إلى مزدلفة بعد غروب شمس اليوم الثلاثاء، ليكملوا مناسك الحج في مشهد مهيب يجسد الجموع المليونية التي تسلك مسارات المشاة المكتسية ببياض ثوب الإحرام، في ثالث محطة من رحلة الحج.
أعمال الحاج عند الوصول إلى مزدلفة
يؤدي ضيوف الرحمن فور وصولهم إلى مزدلفة صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير، اقتداءً بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ثم يلتقطون الجمار ويبيتون هذه الليلة في مزدلفة، ليتوجهوا بعد صلاة فجر يوم غدٍ عيد الأضحى إلى منى لرمي جمرة العقبة ونحر الهدي.
الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في مزدلفة
يسن للحاج أن يجمع في مزدلفة بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير، وهو مذهب الجمهور. فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «جمَعَ النبيُّ ﷺ بين المغرِبِ والعِشاءِ بجَمْعٍ كلَّ واحدةٍ منهما بإقامةٍ، ولم يُسَبِّحْ بينهما، ولا على إِثْرِ كلِّ واحدةٍ منهما» [البخاري (١٦٧٣) واللفظ له، ومسلم (٧٠٣)].
وعن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه: «أنَّ رَسولَ الله ﷺ جمَعَ في حجَّةِ الوداعِ المغربَ والعِشاءَ بالمُزْدَلِفة» [البخاري (١٦٧٤) واللفظ له، ومسلم (١٢٨٧)].
وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: «دفَعَ رسولُ اللهِ ﷺ من عَرَفة، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ، نَزَلَ فَبَالَ، ثمَّ توضَّأَ، ولم يُسْبِغِ الوضوءَ، فقلتُ له: الصَّلاةَ؟ فقال: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» [البخاري (١٦٧٢) واللفظ له، ومسلم (١٢٨٠)].
كيفية الجمع بين المغرب والعشاء
يجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، فعن جابر - رضي الله عنه: «أنَّ النبيَّ ﷺ أتى المُزْدَلِفةَ، فصلَّى بها المَغْرِبَ والعِشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ، ولم يُسَبِّحْ بينهما شيئًا، ثم اضطجَعَ حتى طلَعَ الفجرُ، وصلَّى الفجْرَ» [مسلم (١٢١٨)].
صلاة الفجر في مزدلفة والدعاء عند المشعر الحرام
يستحب للحاج بعد بياته بمزدلفة أن يصلي بها صلاة الفجر في أول وقتها، ويأتي المشعر الحرام (جبل قزح)، ويقف عنده فيدعو الله سبحانه وتعالى إلى الإسفار، ثم يدفع منها. فقد فعل حبيبنا النبي ﷺ، كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه، وفيه: «حتَّى أتى المُزدَلِفةَ، فصَلَّى بها المَغرِبَ والعِشاءَ بأذانٍ واحِدٍ وإقامتَينِ، ولم يُسَبِّحْ بينَهُما شيئًا، ثُمَّ اضطَجَع رَسولُ اللهِ ﷺ حتَّى طَلَعَ الفَجرُ، وصلَّى الفَجرَ حينَ تَبَيَّنَ له الصُّبحُ بأذانٍ وإقامةٍ، ثُمَّ رَكِبَ القَصواءَ حتَّى أتى المَشعَرَ الحَرامَ، فاستقبَلَ القِبلةَ، فدَعاه وكَبَّره وهَلَّله وَوحَّده، فلم يَزَلْ وَاقِفًا حتَّى أسفَرَ جِدًّا، فدَفَعَ قَبلَ أن تَطلُعَ الشَّمسُ»[ أخرجه مسلم (١٢١٨).]
وعن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: «ما رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى صلاةً إلَّا لميقاتِها إلَّا صلاتَينِ: صلاةَ المَغرِبِ والعِشاءِ بجَمعٍ، وصَلَّى الفَجرِ يومَئذٍ قَبلَ ميقاتِها» [البخاري (١٦٨٢)، ومسلم (١٢٨٩) واللفظ له].
ونقل الإجماع على أن النبي ﷺ فعل ذلك، وأنه هو الأولى والأفضل. قال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن النبي عليه السلام وقف بالمشعر الحرام بعد ما صلى الفجر، ثم دفع قبل طلوع الشمس" [الاستذكار (٤/٢٩٢)]، وقال: "الفضل عند الجميع المبيت بها حتى يصلي الصبح، ثم يدفع قبل طلوع الشمس، لا يختلفون في ذلك، ولا في أن رسول الله ﷺ فعل كذلك" [الاستذكار ٤/٢٩٠]. وقال ابن رشد: "وأجمعوا على أن من بات بالمزدلفة ليلة النحر، وجمع فيها بين المغرب والعشاء مع الإمام، ووقف بعد صلاة الصبح إلى الإسفار بعد الوقوف بعرفة- أن حجه تام، وأن ذلك الصفة التي فعل رسول الله ﷺ" [بداية المجتهد( ٢/١١٥)]، وقال أبو العباس القرطبي: "ولا خلاف في أن الأولى والأفضل المكث بالمزدلفة إلى أن يصلي الفجر بها، ثم يقف بالمشعر الحرام، ثم يدفع منها بعد ذلك، كما فعله النبي ﷺ" [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم(٣/٣٩٦)].



