لا يمكن صياغة مشهد التغيير الحقيقي الذي تشهده وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية اليوم دون التوقف أمام مصطلح "الحسم الإداري"، فالإدارة الناجحة ليست مجرد استكمال لمشروعات قائمة، بل هي في جوهرها عملية جراحية دقيقة لاستئصال الترهل، وتطهير قطاعات الدولة من الفوضى، ومواجهة تركات ثقيلة كادت تعصف بأهم قطاع استثماري وخدمي في مصر.
هذا تماما ما نراه يتبلور الآن، حيث تسلمت وزيرة الإسكان المهندسة راندة المنشاوي حقيبة الوزارة وهي محملة بإرث معقد وملفات شائكة غلب عليها التباطؤ، وما وصف في الأوساط الاستثمارية بـ"الإدارة الباردة" وغياب الرقابة الحازمة إبان عهد الوزير السابق شريف الشربيني، لتبدأ سريعا مرحلة جديدة عنوانها "الانضباط والتطهير وهيبة القانون".
من هي مهندسة المهام الصعبة؟
لم يكن اختيار المهندسة راندة المنشاوي لقيادة هذه المرحلة وليد الصدفة، بل جاء استنادا إلى مسيرة ممتدة وتاريخ حافل داخل دهاليز الإدارة المصرية جعلها توصف بـ"مهندسة المهام الصعبة".
ابنة الوزارة الشرعية: بدأت رحلتها في الوزارة منذ عام 1998، وتدرجت عبر المناصب الفنية والإدارية الحساسة؛ من جهاز بحوث ودراسات التعمير، إلى رئاسة الإدارة المركزية لشؤون مكتب الوزير، وصولا إلى تعيينها وكيلا أول للوزارة ثم نائبا لوزير الإسكان لشؤون المتابعة والمرافق عام 2018.
مطبخ مجلس الوزراء: اكتسبت المنشاوي نظرة استراتيجية أوسع حين تولت منصب المساعد الأول لرئيس مجلس الوزراء لشؤون المتابعة مع الدكتور مصطفى مدبولي، وهو الموقع الذي أتاح لها الإشراف والمتابعة المباشرة لأضخم المشروعات القومية في الدولة (مثل العاصمة الإدارية الجديدة، العلمين الجديدة، ومحطات المياه الكبرى)، مما صقل خبرتها في إدارة الأزمات الكبرى وتفكيك البيروقراطية.
هذا المزيج النادر بين "الخبرة الميدانية التخصصية" و"الرؤية السياسية التنفيذية العليا" جعلها تدخل مبنى الوزارة وهي تمتلك خريطة واضحة بمواطن الخلل، ومسلحة بالجرأة اللازمة لمواجهتها.
التطهير بالضرب بيد من حديد.. الإطاحة بـ"القيادات المرتبكة"
أولى الرسائل الصارمة التي أرسلتها الوزيرة راندة المنشاوي تمثلت في نسف فكرة "الموائمات الإدارية" على حساب مصالح الدولة. فلم يكن مشهد التنقلات الأخيرة مجرد حركة روتينية، بل كان بمثابة "زلزال هادئ" أطاح بمسؤولين كبار دارت حول أسمائهم وطريقة إدارتهم علامات استفهام عديدة خلال الفترة السابقة.
وجاء القرار الأبرز بنقل مسؤول كبير كان يشغل أحد أثقل المناصب بالوزارة وأكثرها حساسية - وهو قطاع الشؤون العقارية والتجارية بهيئة المجتمعات العمرانية، الذي يتحكم في مصائر مليارات الجنيهات من أصول الدولة - ونقله إلى موقع هامشي في شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالجيزة.
هذا "النقل العقابي" جاء ككواليس حاسمة لإنهاء تجاوزات وإرساء قاعدة واضحة: لا أحد فوق الحساب، ولا مكان لمن يشغلون مناصب الدولة الحيوية بأمور شخصية أو يتجاوزون سلطات الوزير. هذه الحركة أعادت ترتيب "البيت من الداخل" وضخت دماء جديدة تعي قيمة المسؤولية.
زلزال "النرجس الجديدة".. تجفيف منبع التلاعب بأراضي الدولة
لم تتوقف الوزيرة عند حدود الإقصاء الإداري، بل امتدت يد الرقابة لتضرب بقوة على الأرض في التجمع الخامس؛ حيث فجرت الوزيرة مفاجأة مدوية بـوقف التعامل مؤقتا على نحو 250 قطعة أرض بمشروع "بيت الوطن" في منطقة النرجس الجديدة.
هذا القرار الجريء جاء بعد رصد لجان الفحص شبهات تلاعب خطيرة وصاحبتها تعقيدات عقارية وإدارية تراكمت في عهد الوزير السابق، وتتمثل في:
- شبهة التلاعب في آليات السداد: مراجعة حالات شهدت تأخيرا مريبا في تحصيل الأقساط والمستحقات الدولارية لسنوات طويلة، والتحقيق مع الجهات التي وافقت على هذا التراخي غير المبرر، متجاهلة التغيرات الكبيرة في أسعار الصرف التي أهدرت عوائد ضخمة على خزينة الدولة.
- فوضى "البيع المتعدد": رصد تعقيدات في الملكية وقيام بعض الملاك الأصليين بالتصرف في القطع وبيعها أكثر من مرة، مما دفع الوزيرة لتجميد هذه الأراضي فورا كإجراء احترازي لحماية المشترين حسني النية، بالتوازي مع فتح جهاز مدينة القاهرة الجديدة قنوات طمأنة للملاك بأن الوقف مؤقت لحين فرز "الخبيث من الطيب" ومحاسبة الموظفين المقصرين.
إنهاء فوضى "بيت الوطن" وسقوط الحيتان والمضاربين
الملف الذي تجلت فيه "الثورة التنظيمية" للوزارة كان مشروع "بيت الوطن" للمصريين في الخارج ككل. هذا المشروع القومي النبيل، الذي تأسس لربط المغتربين بوطنهم وتوفير تدفقات دولارية للدولة، تحول في عهد الإدارة السابقة نتيجة الثغرات وغياب الرقابة إلى ساحة للمضاربات و"تسقيع" الأراضي من قبل قلة من المنتفعين والتجار (حيتان بيت الوطن).
كان المتلاعبون يقومون بحجز الأراضي والوحدات في مراحل متعددة، وبدلا من سداد الأقساط الدولارية المستحقة للدولة، كانوا يحبسون تلك الأموال ويعيدون تدويرها للحجز في مراحل جديدة لتحقيق مكاسب غير مشروعة، مما حرم مغتربين آخرين جادين.
ومع إطلاق المرحلة الحادية عشرة للمشروع، جاءت كراسة الشروط بمثابة "صدمة تنظيمية" قطعت الطريق على ألاعيب التكسب؛ حيث نصت الضوابط الصارمة على أنه في حال طلب استرداد المبالغ، يحق للوزارة استقطاع واستيفاء كافة الأقساط المتأخرة عن أي ممتلكات أخرى تخص المغترب في أي مدينة جديدة، وهو ما جفف منابع التحايل تماما.
من "صناعة اللقطة" إلى المتابعة الميدانية وحقوق المواطن
لقد سئم المواطن والمستثمر العقاري في الحقبة السابقة من عهد "البيانات الرنانة" وظاهرة "مسؤولي اللقطة" في أجهزة المدن الجديدة الذين استبدلوا حل الأزمات الحقيقية بصناعة الصورة الفارهة على وسائل التواصل، بينما تركوا أحياء كاملة تتحول إلى "مدن أشباح" بسبب تأخر تسليمات الوحدات السكنية، ومشاكل غياب شبكات المياه، والكهرباء، والصرف الصحي، وتأخر ملفات التقنين (كما يحدث في أحياء أكتوبر، بدر، والعاشر).
المهندسة راندة المنشاوي أعادت صياغة الأولويات بروح مختلفة؛ فالنجاح اليوم لم يعد يقاس بعدد الأراضي المطروحة أو الأوراق المكتبية، بل بعودة "المتابعة الميدانية الحقيقية على الأرض"، وتحويل التقارير المرفوعة للوزارة إلى واقع ملموس يحقق جودة الحياة للمواطن البسيط في مشروعات الإسكان الاجتماعي والمتوسط، ويرسخ الاستقرار والوضوح التشريعي للمطورين العقاريين لإنعاش السوق الائتمانية.
ثنائية الحسم والتنفيذ (المنشاوي وعباس)
يرى مراقبون أن نجاح الوزيرة راندة المنشاوي في معركتها لتطهير الإرث السابق، حسم بوجود ظهير تنفيذي قوي يمتلك الكفاءة والقدرة على التحرك الفوري، وهو الدكتور وليد عباس، نائب رئيس هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.
لقد شكل هذا الثنائي "جبهة إنقاذ إدارية" متناغمة؛ فالوزيرة تضع الرؤية السياسية والتشريعية الحازمة وتصدر القرارات الكبيرة، بينما يتولى الدكتور وليد عباس تفكيك الشفرات التنفيذية على الأرض، وملاحقة أوجه القصور، ومواجهة ضغوط المضاربين والمتاجرين بأحلام المغتربين.
ولم تقف الإدارة عند حدود المنع والعقاب، بل قدمت مرونة اقتصادية ذكية بتصحيح تسعير الأراضي لتفويت الفرصة على السماسرة، مع إتاحة خيار مبتكر يسمح بدخول ما يصل إلى "أربعة شركاء" في قطعة الأرض الواحدة تسهيلا على المغتربين، وتحويل المشروع لفرصة حقيقية للحصول على السكن بسعر التكلفة الحقيقي بعيدا عن جشع تجار الأراضي.
قانون "اتحاد المطورين".. هندسة تشريعية لضبط السوق وتصدير العقار
في دلالة واضحة على الانتقال من العشوائية الإدارية إلى المأسسة المستدامة، وضعت الوزيرة راندة المنشاوي يدها على أهم الملفات التشريعية التي طال انتظارها؛ وهو مشروع قانون "اتحاد المطورين العقاريين" في مصر.. هذا القانون يمثل حجر الزاوية لتأسيس كيان رسمي وقانوني ينظم السوق العقاري المصري تنظيمًا شاملًا لا مكان فيه للهواة أو الدخلاء.
تتابع الوزارة اليوم، وبإشراف مباشر ومكثف من الوزيرة، إعداد الآليات التنفيذية وصياغة اللائحة الداخلية لهذا القانون الفريد، ويهدف هذا التحرك إلى تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية عجزت الإدارات السابقة عن حسمها:
- تصنيف الشركات العقارية: وضع معايير علمية وتصنيفات دقيقة للشركات بناءً على ملاءتها المالية وسابقتها التنفيذية، لضمان جدية الطروحات.
- حماية حقوق المشترين: إرساء ضمانات قانونية صارمة تحمي أموال المواطنين والمستثمرين، وتمنع ظاهرة تأخر الاستلامات أو تبخر الوعود البيعية.
- تصدير العقار المصري: منح السوق العقاري شهادة ثقة دولية تتيح تسويق العقار المصري في الأسواق الإقليمية والعالمية كبيئة استثمارية آمنة ومقننة، تحظى برعاية كاملة من الدولة.
بلورة الشركات التابعة.. بث الروح في جسد "المياه والصيانة" بعد سنوات العجاف
الملف الآخر الذي يحسب للوزيرة، هو إحداث طفرة حقيقية وإعادة بلورة شاملة للشركات التابعة للوزارة، وفي مقدمتها شركة مياه الشرب والصرف الصحي، وشركات صيانة وتطوير المدن الجديدة... هذه الأذرع الخدمية الهامة عانت على مدار فترة الوزير السابق شريف الشربيني من تراجع كبير، وضعف في مستويات الجودة، ونقص في اعتمادات الصيانة، مما انعكس سلبًا على البنية التحتية للمدن الجديدة وجعلها مادة خصبة لشكاوى المواطنين.
المنشاوي، وبحكم خبرتها السابقة كمسؤول مباشر عن ملف المرافق، أولت هذه الشركات اهتمامًا استثنائيًا؛ فبدأت عملية إعادة هيكلة مالي وإداري واسعة، ووضعت نظام حوكمة صارم يضمن توجيه أموال الصيانة بدقة للمشروعات على الأرض، ومتابعة كفاءة محطات المياه ومرفق الصرف الصحي ميدانيًا.. هذا التحول أنقذ هذه الشركات من عثراتها المزمنة، وحوّلها من هيئات مستهلكة للأموال تعاني الإهمال، إلى أدوات قوية وناجحة تساهم في الحفاظ على الأصول العقارية والقومية للدولة.
بزوغ عصر "دولة القانون العقاري"
إن ما يحدث اليوم في وزارة الإسكان يتجاوز مجرد طرح مشروعات أو تعديل شروط؛ إنه تغيير حقيقي في العقيدة الإدارية، لقد انتهى عهد الفوضى والقرارات المرتعشة، وبدأ عصر الشفافية، والعدالة، والضرب بيد من حديد على أوكار الفساد الإداري.
بفضل الرؤية الثاقبة للمهندسة راندة المنشاوي وعضدها التنفيذي الدكتور وليد عباس، نجحت الوزارة في انتشال نفسها من عثرات وإهمال المرحلة السابقة، لتثبت الدولة المصرية مجددا أن التركات مهما ثقلت، فإن العقول الخبيرة والإرادة الصارمة كفيلة بتحويلها إلى قصة نجاح ملهمة يشار إليها بالبنان.



