د. عباس عبود سالم يكتب: التوازن الإقليمي العربي.. قراءة في ديناميات التحول الجيوسياسي تغير العقائد الأمنية بعد مواجهة 2026
مقدمة
تبحث هذه الورقة البحثية في التحولات البنيوية التي طرأت على النظام الإقليمي في الشرق الأوسط إثر تراكم الأزمات الممتدة منذ 7 أكتوبر 2023 وصولاً إلى مواجهة «الـ40 يوماً» في عام 2026. تهدف الدراسة إلى تفكيك التغيرات الجوهرية في العقائد الأمنية للقوى الفاعلة (إسرائيل، إيران، والولايات المتحدة)، ورصد انعكاساتها على البيئة الأمنية العربية. وتمحور الدراسة تحليلاتها حول السؤال الاستراتيجي المركزي: هل يمتلك العرب مشروعاً استراتيجياً موحداً لاستعادة التوازن الإقليمي، أم أن المنطقة تتجه نحو صياغة توازنات بديلة تفرضها القوى الإقليمية غير العربية؟ ومن خلال تبني حزمة منهجية متكاملة، تخلص الورقة إلى تقديم ثلاثة سيناريوهات استشرافية ترسم مستقبل المنطقة، مع صياغة توصيات لصناع القرار العربي لإعادة تفعيل أدوات الردع وبناء التوازن المفقود.
أولاً: الإطار النظري والمنهجي
الإطار النظري
تتخذ الدراسة من مقتربات الواقعية الهجومية (Offensive Realism) كإطار تفسيري أساسي لسلوك القوى الإقليمية والدولية في بيئة صراعية صفرية، حيث تسعى كل وحدة دولية إلى تعظيم قوتها النسبية مستغلة لحظات الانكشاف الاستراتيجي للخصوم. وبالموازاة مع ذلك، يتم توظيف «النظرية الحضارية» لفهم دوافع وتماسك التكتلات الإقليمية الجديدة في الشرق الأوسط، والتي تتجاوز الأبعاد المصلحية الآنية إلى جذور ثقافية وهوياتية تؤطر خريطة التحالفات والعداءات الناشئة.
المنهجية العلمية
تعتمد الدراسة على أداتين منهجيتين متكاملتين لتفكيك المشهد الجيوسياسي المتسارع:
- منهج تحليل النظم (Systems Analysis): لتفكيك التفاعلات البينية بين الوحدات الدولية الفاعلة في المنطقة (مثل تركيا، باكستان، مصر، ودول الخليج)، ورصد كيفية انتقال أثر «التغير الجيوسياسي» من جزء في النظام الإقليمي إلى الأجزاء الأخرى، مما يسهم في فهم آليات الانكشاف الاستراتيجي العربي كعملية كلية مترابطة.
- منهج استشراف المستقبل (Future Forecasting): وهو المنهج الأساسي لبناء المسارات الاحتمالية للشرق الأوسط عبر استنطاق المتغيرات الناتجة عن (حرب الـ40 يوماً) عام 2026، والانتقال من السرد الوصفي إلى بناء نماذج مستقبلية متقاطعة المصالح والتهديدات.
ثانياً: تحولات العقيدة الأمنية (سياقات ما بعد 7 أكتوبر ومواجهة 2026)
انطلاقاً من مقولة كارل فون كلاوزفيتز بأن «الحرب هي السياسة بوسائل أخرى»، شكلت أحداث أكتوبر وما تلاها من تصعيد وصولاً لعام 2026 نقطة تحول جذري في تفكير المركز الاستراتيجي الدولي والإقليمي. لقد أعادت هذه اللحظة التاريخية فرض واقع جديد ودخول قوى سعى النظام الإقليمي سابقاً إلى تهميشها، مما دفع القوى الرئيسية إلى إعادة صياغة عقائدها الأمنية على النحو الآتي:
العقيدة الأمنية الإسرائيلية: من إدارة الصراع إلى صياغة «الشرق الأوسط الجديد» بالحديد
انتقلت إسرائيل من استراتيجية «إدارة الصراع» التقليدية إلى محاولة «تصفية التهديدات» بشكل جذري ومباشر، مستهدفة تفكيك البنى التحتية العسكرية لخصومها وإنهاء حقبة التفاهمات الضمنية والخطوط الحمراء السابقة من خلال مسارات رئيسية:
- تغيير معادلة الردع الإقليمي: عبر توجيه ضربات قاسية لقدرات «حزب الله»، واستغلال سقوط نظام «بشار الأسد» في سوريا، وصولاً إلى استهداف البنية التحتية النووية والدفاعية الإيرانية (في فوردو، ونطنز، وأصفهان) بدعم مباشر من إدارة «ترامب» الثانية، مما أنهى فرضية الحصانة الإيرانية المطلقة ومفهوم «الصبر الاستراتيجي».
- استدعاء الاشتباك الأمريكي المباشر: إعادة تعريف الوجود العسكري الأمريكي كقوة اشتباك مباشر لحماية الممرات البحرية ومنع انهيار الحلفاء، مستغلة حاجة واشنطن لتأمين النظام الاقتصادي الدولي القائم على استقرار تدفقات الطاقة والعملة المرتبطة بالدولار، وهي المنظومة التي أثبتت الأزمات التاريخية (1956، 1973، 2026) مدى هشاشتها وارتباطها العضوي بأمن الشرق الأوسط.
- معضلة «خطة نهاية اللعبة»: على الرغم من النجاحات العسكرية التكتيكية، تواجه العقيدة الإسرائيلية مأزقاً استراتيجياً حاداً يكمن في عجزها عن ترجمة الانتصارات العسكرية إلى هندسة سياسية مستدامة. إن غياب الرؤية السياسية في غزة والإفراط في استخدام العنف غير المقيد أدى إلى تقويض مسار التكامل الإقليمي الشامل الذي كان يبدو قريباً عشية 6 أكتوبر 2023، وجعل ادعاءات الحسم العسكري تواجه واقعاً مستمراً من عدم الاستقرار الدائم والصدمة المجتمعية العميقة داخل إسرائيل.
العقيدة الأمنية الإيرانية: من الصبر الاستراتيجي إلى الجغرافيا الهجومية و«تعميم الضرر»
تطورت العقيدة العسكرية الإيرانية تاريخياً منذ حرب الخليج الأولى (1980-1988) بناءً على مفاهيم الاعتماد على الذات و«الدفاع المقدس». ومع تزايد التهديدات الأمريكية والإسرائيلية المباشرة عام 2026، انتقلت طهران من عقيدة «الصبر الاستراتيجي» إلى نموذج «تعميم الضرر» والردع غير المتكافئ. ومع تزايد التهديدات المباشرة وتغير طبيعة الصراع في مواجهة عام 2026، لم تعد هذه العقيدة تقتصر على الأبعاد البشرية والتكنولوجية غير المتكافئة فحسب، بل باتت تستند بشكل بنيوي إلى «الجغرافيا العسكرية اللامتناظرة»، عبر تحويل التضاريس الطبيعية المعقدة لإيران إلى أدوات ذات وظائف مزدوجة؛ دفاعية لحماية العمق، وهجومية لتهديد الممرات الدولية، وذلك وفق الآتي:
- الجغرافيا الدفاعية (الحصانة التضاريسية وتأمين «مدن الصواريخ»): تشكل السلاسل الجبلية الشاهقة والوعرة (مثل جبال زاغروس والبرز) جدار صد طبيعياً يحمي الداخل الإيراني ويعقد عمليات الغزو البري التقليدي أو الرصد الميداني. وقد وظّف الاستراتيجيون الإيرانيون هذه الطبيعة الجيومورفولوجية القاسية لإنشاء ما يُعرف بـ«مدن الصواريخ المحصنة تحت الأرض»، وهي عبارة عن شبكات بالستية ولوجيستية معقدة من الأنفاق والقواعد العسكرية المحفورة في جوف الجبال وعلى أعماق تصل إلى مئات الأمتار تحت طبقات صخرية سميكة. تمنح هذه التضاريس الجبلية حماية فائقة لترسانة الصواريخ الاستراتيجية والمسيرات من الهجمات الجوية والضربات الارتدادية التدميرية (التي نفذها التحالف الأمريكي الإسرائيلي ضد المنشآت المكشوفة)، مما يضمن لطهران قدرة توجيه الضربة الثانية، ويوفر بيئة آمنة لإدارة هياكل القيادة اللامركزية واستمرارية النظام وسط الفوضى.
- الجغرافيا الهجومية: في البعد الجغرافي الهجومي، يبرز مضيق هرمز بوصفه الأداة الجيواستراتيجية الأكثر خطورة في فرض استراتيجية «حظر الوصول والمنع الإقليمي». لا تنبع الفاعلية الهجومية الإيرانية هنا من تفوق سلاح البحرية التقليدي، بل من الاستغلال الهجومي المحكم للتعقيدات الجبلية والمقتربات الصخرية والمغارات الطبيعية الشاهقة والمحاذية للشريط الساحلي المطل على المضيق. تتيح هذه التضاريس الوعرة للحرس الثوري نشر بطاريات الصواريخ الجوالة (بر - بحر)، والمسيّرات الانتحارية، وقاذفات الألغام، وإخفاءها بكفاءة عالية داخل التجاويف الجبلية، مما يجعل رصدها أو تدميرها مسبقاً من قِبل القوى التكنولوجية المتفوقة أمراً بالغ الصعوبة. يتيح هذا التوظيف الهجومي للجغرافيا تحويل المضيق إلى نقطة خنق جيوسياسي للاقتصاد العالمي، وفرض تكاليف باهظة على الخصوم عبر استهداف إمدادات الطاقة الدولية والممرات المائية دون الحاجة للدخول في مواجهة بحرية مفتوحة.
- الدفاع الفسيفسائي والقيادة اللامركزية: تفعيل استراتيجية «الدفاع الفسيفسائي» (التي صاغها الحرس الثوري بجعل كل محافظة قيادة مستقلة)، مع تبنى استراتيجية «الخليفة الرابع» عبر التعيين المسبق لبدلاء متعددين للمناصب القيادية الحساسة لضمان استمرارية النظام ومنع الانهيار الشامل في حال اغتيال الصف الأول من القيادة.
- الاستجابة غير المتكافئة والتصعيد الصادق: التركيز على الضربات الصاروخية الكثيفة، تفعيل شبكات الوكلاء الإقليميين، واستهداف البنية التحتية للطاقة والممرات المائية الدولية لفرض تكاليف باهظة على الخصوم، وتأكيد فكرة الصمود والاستنزاف طويل الأمد بدلاً من الاستسلام.
التصدعات الجيوسياسية العربية: غياب «المشروع الواحد» وانقسام الرؤى الخليجية
عند تفكيك الإجابة عن السؤال الاستراتيجي المركزي للدراسة حول مدى امتلاك العرب مشروعاً موحداً لاستعادة التوازن الإقليمي، تبرز التصدعات الجيوسياسية البينية -وتحديداً الانقسام العميق في الرؤى الخليجية- كأبرز دليل على غياب هذا المشروع، وتوزع البوصلة العربية بين مقاربتين متناقضتين في إدارة الصراع الإقليمي.
تتجلى المقاربة الأولى في استراتيجية تستند إلى فلسفة التوافق والتسوية الدبلوماسية كخيار حتمي لإدارة الأزمات، تنطلق الرياض من قناعة راسخة مفادها أن صراعات المنطقة وانقساماتها المزمنة لا يمكن حسمها أو تغيير واقعها الجيوسياسي عبر العمل العسكري أو الأدوات التصادمية الصفرية. في المقابل، تتبلور المقاربة الثانية عبر استراتيجية تبنت تاريخياً خيار المواجهة والردع الحاسم كشرط أساسي لا غنى عنه لتحقيق استقرار دائم في الشرق الأوسط، ترى هذه العقيدة الأمنية ضرورة التصدي المباشر والصارم للجهات الفاعلة المزعزعة للاستقرار، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية المباشرة إذا اقتضت الضرورة، معتبرة أن قدرة إيران على التمدد وبسط النفوذ عبر شبكات الوكلاء من غير الدول تشكل تهديداً وجودياً يجب كبحه لا مهادنته، وقد تُرجمت هذه العقيدة عملياً خلال أحداث عام 2026 من خلال الانخراط الفاعل والتنسيق الدفاعي المباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
إن هذا التباين الجوهري في قراءة طبيعة التهديد وتحديد أدوات الاستجابة بين القوتين الخليجيتين يعكس بوضوح معضلة الانكشاف الاستراتيجي العربي، إذ تحول الفضاء العربي من ساحة يوجهها مشروع أمني جامع إلى بيئة تتقاطع فيها تكتيكات «التحوط الدبلوماسي والتسوية» مع «الاشتباك العسكري والردع المباشر»، مما يجهض أي فرصة لبلورة كتلة عربية موحدة قادرة على فرض توازن إقليمي مستدام أمام المشاريع الإقليمية الأخرى.
ثالثاً: تداعيات حرب «الـ40 يوماً» (2026) والواقع الإقليمي الجديد
أفرزت المواجهة الشاملة في عام 2026 حقائق ميدانية أعادت هندسة المواقف الإقليمية وسلّطت الضوء على مأزق الانكشاف العربي العام:
- الانكشاف الاستراتيجي الخليجي: تزايد القلق العربي من محدودية فاعلية مظلات الحماية التقليدية (السيادية والدولية) في مواجهة جيل المسيّرات والصواريخ فرط الصوتية.
- العراق كساحة تهديد وانكشاف: تحول الجغرافيا العراقية إلى منطلق للاشتباك الإقليمي، مما وضع الدولة العراقية (بساحلها البحري الضيق البالغ 58-60كم) أمام معضلات سيادية واقتصادية خانقة تهدد أمنها القومي.
- الوساطة الباكستانية المسلحة: بروز إسلام آباد كلاعب نووي إقليمي محوري يجيد الموازنة الحرجة بين تحالفه التاريخي والمالي مع الرياض، وبين تفاهمه الاستراتيجي والأمني مع طهران لضبط حدود الصراع.
- القطيعة التركية الإسرائيلية: وصول التوتر بين أنقرة وتل أبيب إلى مستويات غير مسبوقة، مما تسبب في إرباك حسابات حلف الناتو وإعادة خلط الأوراق الأمنية في شرق المتوسط وشمال سوريا.
- الواقعية المصرية الصاعدة: إعادة تموضع القاهرة ككابح للأزمات عبر تقارب تكتيكي مرن مع طهران لضبط توازنات البحر الأحمر وغزة، بعيداً عن الانخراط في المحاور العسكرية الصفرية.
- الانكفاء الإماراتي الاقتصادي: رغم تبنى خيار المواجهة في فترات من الصراع، اتجهت أبوظبي لاحقاً نحو «التحوط الاستراتيجي» والانسحاب التدريجي من المحاور الصدامية لتأمين مسارها كمركز مالي واقتصادي عالمي.
رابعاً: سيناريوهات المستقبل للشرق الأوسط
في ظل غياب مشروع استراتيجي عربي جامع، تفرض ثلاثة مسارات محتملة نفسها على مستقبل هندسة الأمن الإقليمي:
السيناريو الأول: «خطة توم باراك»
قال السفير الأمريكي لدى أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك (والعراق حالياً) في كلمته خلال منتدى أنطاليا للدبلوماسية: «إن إقامة تحالف بين تركيا والدولة العبرية تمثل الحل الأمثل لتحقيق رفاه واستقرار شعوب المنطقة»، وأشار «باراك» إلى «أن دول الخليج تمثل نموذجاً ناجحاً بفضل أنظمتها الملكية ذات القيادة القوية، وأن التجارب الديمقراطية في المنطقة، بما فيها الربيع العربي، قد أخفقت وتلاشت» مؤكداً أن الازدهار المستقبلي يرتبط بتوافق مصالح إسرائيل مع الخليج والحضارات الراسخة في المنطقة مثل سوريا. ومن خلال رؤية باراك يتجسد مشروع جديد هو قيام محور وظيفي يضم (تركيا - إسرائيل - دول الخليج) لدمج القدرات التقنية والعسكرية الإسرائيلية مع القدرة المالية الخليجية والموقع اللوجستي التركي، ويهدف هذا السيناريو إلى تهميش إيران وباكستان بالكامل، وعزل العراق دولياً وإقليمياً وتحويله إلى منطقة جغرافية عازلة ومخترقة.
السيناريو الثاني: «قوس التوازن» جامعة الدول العربية +3
يقوم هذا السيناريو على صياغة تفاهم استراتيجي واسع يضم جامعة الدول العربية + القوى الإقليمية الكبرى المحيطة بالفضاء العربي (باكستان، إيران، تركيا) لتشكل مع المنظومة العربية، كتلة إقليمية تعيد توازن القوى في المنطقة وفق رؤية واقعية. يمنح هذا السيناريو مصر دوراً جوهرياً كقوة عربية مركزية متوازنة ويمنح العراق دوراً مهماً بوصفه «حلقة الوصل» وميزان القوى الضامن للاستقرار بين المشاريع المتنافسة، مما ينهي حالة الانكشاف الأمني المتبادل، ويعيد التوازن للنظام الإقليمي العربي مع الاحتفاظ برمزية جامعة الدول العربية.
السيناريو الثالث: «الكتلة المشرقية الخليجية» (الانكفاء العروبي)
تكتل دفاعي واقتصادي يركز على دول الشام والخليج مع إسرائيل، أي دمج أمن الشرق الأوسط مع أمن الخليج برعاية أمريكية، مع تهميش مصر والعراق وعزل للقوى الإقليمية غير العربية (إيران، تركيا، باكستان).
أخيراً: الاستنتاجات والتوصيات
تخلص هذه الدراسة إلى أن البيئة الأمنية في الشرق الأوسط بعد مواجهة عام 2026 باتت محكومة بتحولات جوهرية في العقائد الأمنية للقوى الطرفية (إسرائيل وإيران)، في مقابل استمرار حالة الانكشاف الاستراتيجي العربي الناجم عن غياب «المشروع الموحد». وبناءً على ما تقدم، ولمعالجة هذا المأزق الجيوسياسي، تطرح الورقة جملة من التوصيات الاستراتيجية الموجهة إلى صناع القرار في المنظومة العربية عموماً:
أولاً: آلية جماعية للقرار العربي الموحد
توصي الدراسة بضرورة صياغة آلية جماعية لتنسيق المواقف وبناء استجابة أمنية مشتركة، تسهم في انتقال الفضاء العربي من «دور الساحة المستباحة» وصندوق الرسائل الصاروخية بين القوى الإقليمية، إلى «دور الفاعل القائد» والمحرك الأساسي للهندسة الأمنية الجديدة في المنطقة. يتطلب ذلك تجاوز الخلافات التكتيكية الفرعية (كالتباين في تكتيكات التحوط أو المواجهة) لصالح رؤية جامعة تحمي الأمن القومي العربي بمفهومه الشامل.
ثانياً: تبنى سيناريو «قوس التوازن الشامل»
ترى الورقة أن الخيار الأمثل للمنظومة العربية يكمن في الانخراط الجماعي ككتلة موحّدة لفرض شروطها ضمن سيناريو «قوس التوازن الإقليمي» (الذي يضم تركيا وإيران وباكستان). إن تبنى هذا المسار يضمن استثمار الثقل الجيوسياسي العربي كجسر رابط وميزان قوى لا يمكن تجاوزه، بدلاً من الانخراط في محاور وظيفية صفرية (كخطة توم باراك) التي تستهدف تفتيت الجغرافيا العربية وعزل أطرافها دولياً وإقليمياً.
ثالثاً: تحويل «الانكشاف الجغرافي» إلى «قوة ربط بري وقاري»
توصي الدراسة بضرورة صياغة استراتيجية أمنية وجيواقتصادية عربية مشتركة، ترتكز على استثمار العبقرية الجغرافية للوطن العربي (الذي يتحكم بأهم الممرات البحرية كقناة السويس، وباب المندب، ومضيق هرمز، والامتدادات الساحلية الضيقة أو المهددة). ويكون ذلك عبر تحويل نقاط الضعف الجيوسياسية الحالية إلى «شبكات ربط بري، ولوجستي، وسككي دولي» عابر للقارات (جيواقتصاد الاتصال). إن خلق مصالح اقتصادية وتنموية متشابكة ومستدامة بين الدول العربية وجوارها الإقليمي من شأنه أن يعيد صياغة معادلة الردع، ويمنع القوى غير العربية من استباحة الجغرافيا العربية أو فرض خرائط نفوذ بديلة.
باحث وأكاديمي في الشؤون السياسية والاستراتيجية - العراق



