الاستعمار الحديث يتجاوز القانون الدولي ويضرب بمبادئ السيادة عرض الحائط
الاستعمار الحديث يتجاوز القانون الدولي

منذ عقود طويلة، لم تلتزم القوى العظمى بالقانون الدولي، خصوصًا عند شن عمليات عسكرية، استنادًا إلى افتراض أن جهة ما تستعد لمهاجمتها، وبهذه العمليات تحمي مصالحها وأمنها القومي والعالمي. إلا أن هذه التدخلات أثارت جدلًا واسعًا حول الأسباب الحقيقية التي شنت من أجلها الحروب العسكرية وتم تدمير دول، وكيف يمكن تجاوز القانون الدولي الذي سطر قوانين نافذة تجرم أي حرب بدون أسباب مقنعة لخوضها.

التهديدات المزعومة: ذريعة للتدخل العسكري

كانت تلك القوى تنطلق من فكرة وجود تهديدات محتملة تبرر فيها أي عمل عسكري، والذي غالبًا ما يحدث ضد قوى أضعف منها. فكم من المزاعم خرجت كان أخطرها ما حدث في العراق عام 2003 وحجة أسلحة الدمار الشامل، التي دمرت العراق وإلى الآن يعاني من هذا الأمر، ولم تنتهِ الفوضى من هذا البلد الذي يشهد حالات عدم استقرار مستمرة منذ أن حدثت تلك الحرب.

المصالح الخاصة فوق القانون الدولي

كما تنطلق هذه القوى غير آبهة بالقوانين الدولية انطلاقًا مما يحقق لها مصالحها الخاصة دون اكتراث بمآلات وتداعيات أي حرب على الطرف المقابل. فلطالما كانت الدول الغنية سواء بالنفط أو الغاز أو المعادن الثمينة عرضة لهكذا هجمات تحت ذات الحجج ودون اعتبار للقوانين الدولية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

إيران وفنزويلا: نموذجان للعقوبات والتدخل

في هذه الحالة، نسقط مثالين: إيران التي ترزح تحت العقوبات الاقتصادية منذ العام 1979 في وقت لم يتأثر نظامها بل الشعب الإيراني، وكذلك فنزويلا إذ لم يحدث في التاريخ أن يتم خطف رئيس دولة كالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والذي تكشف لاحقًا أن العين على النفط الفنزويلي بعد نشر عشرات الحوادث حول زوارق المخدرات. إذ نجد في كل مرة هناك حجة وذريعة مختلفة، فهل عادت احتياطات النفط الفنزويلية الضخمة إلى الشعب؟ لم ولن تعود لهم.

ليبيا: الفوضى بعد التدخل

وإن الخوض في الأمثلة يحتاج إلى وقت طويل، لكن نستطيع إبراز الأهم في التاريخ الحديث. فلم يقتصر الأمر على الشرق الأوسط أو أمريكا الجنوبية بل كان واستمر أيضًا في القارة الإفريقية، وأكبر نموذج على ذلك ليبيا التي سقطت بحكم تدخل حلف الناتو وتم إسقاط النظام بالقوة. لكن ماذا حدث؟ هل انتهت الفوضى؟ لا بل بدأ منذ عام 2011 حقبة جديدة من الفوضى لا تزال آثارها حتى الآن ولم يتحقق أي استقرار حقيقي.

مضيق هرمز: قرصنة دولية

بالتالي، ما يحدث لا يمكن عزله عن أحداث اليوم، إذ بات مضيق هرمز على سبيل المثال لا الحصر، عرضة لقرصنة دولية. الجميع يريد وضع اليد عليه كما إيران، التي استغلت موقعه الجغرافي وقربه منها لوضع اليد عليه، ولم تكترث في أن تصل للقول بأنها ستفرض إتاوات على السفن المبحرة، حتى أنها سمحت لسفن على حساب أخرى من العبور غير مكترثة بالقانون الدولي، رغم أنها ليست دولة عظمى.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الاستعمار بأدوات جديدة

وكذلك الأمر في إفريقيا، فليبيا ليست الحالة الأولى، فقد شهدت القارة حقبة طويلة من الاستعمار كان قائمًا على أساس الاستحواذ على ثرواتها. وإلى اليوم هناك دول كثيرة تحتفل بعيد الاستقلال من الاستعمار، لكن السؤال هنا: هل انتهى الاستعمار بشكله القديم؟ الجواب نعم، انتهى الاستعمار بشكله القديم لكن بدأ استعمار باستخدام أدوات جديدة تختلف عن النمط القديم ولم تعد تحتاج جيوش وأسراب طيران وقنابل فراغية لتدمير الدول. فهناك أدوات أخرى منها نشر الإسلام الراديكالي وضرب الدول، أو سلاح العقوبات، وحتى قطع العلاقات، وإدخال الدول المعنية في عزلة دولية، حتى يصار إلى انهيارها، وهنا تدخل القوى الكبرى لإنقاذ هذه الدولة وتلك عبر إغراقها بديون لن تنتهي مقابل الاستحواذ على الثروات.

وعي دولي متزايد

وقد تنبه العالم إلى هذا الخطر القديم الجديد، كما سمعنا في القمة الحادية عشرة لرؤساء دول وحكومات منظمة الدول الأفريقية والكاريبية والمحيط الهادئ التي عقدت في مالابو، غينيا الاستوائية، حيث انتقد أحد المشاركين وتحديدًا الرئيس الأنغولي جو أو لورينسو، تجاوز القوى الكبرى للقانون الدولي خاصة عند محاولة الاستئثار بالثروات عبر العمليات العسكرية وغالبًا وضع اتهامات غير صحيحة أبرزها وجود تهديدات محتملة. بالتالي، يشهد العالم اليوم ذات الاستعمار بواقع مختلف، لا يزال يعمل وفق منطق القوة والمصالح أكثر من الالتزام بالمعايير التي أكدها القانون الدولي، فعند المصالح لا يهم تعارض الأفعال مع مبادئ السيادة والقانون.

التحالفات الجديدة: درع للضعفاء

غير أن الوعي اليوم بلغ أيضًا حدًا غير مسبوق، وأصبحت كل الدول الضعيفة تبحث عن تحالفات تضمن بها أمن دولها في مواجهة قد لا تكون متكافئة، لكنها تكفي لبناء تحالف متين ربما لا يحمي بالشكل الكامل لكنه يصد بعض الأطماع التي قد تقف عائقًا يحمي تلك الدول من تحولها إلى دويلات بلا مستقبل تحت عناوين متعددة.