فلسطيني هجر من يافا طفلا وعاد شيخا إلى خيمة فوق أنقاض غزة: سرقوا عمري
فلسطيني هجر من يافا طفلا وعاد شيخا لخيمة فوق ركام غزة

في خيمة مهترئة نُصبت فوق ركام منزل مدمر في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، يجلس الحاج الفلسطيني محمد البيروتي، والمعروف بين جيرانه بـ «أبو نبيل»، 92 عامًا، بينما لا تزال تفاصيل مدينته يافا ترافقه رغم مرور ثمانية وسبعين عامًا على نكبته الأولى. الرجل الذي هُجّر طفلًا من مدينته الساحلية عام 1948 بعد أن انتزعته العصابات الصهيونية منها قسرًا، عاد اليوم ليعيش نكبة أخرى، لكن هذه المرة فوق أنقاض بيته بعد رحلة لجوء طويلة.

تهجير قسري ورحلة اللجوء إلى غزة

يقول المسن التسعيني إن كل شيء حوله يوحي بالفقد، بداية من الركام مروراً بالخيمة وصولاً إلى آثار القصف ورائحة الغبار التي لا تغادر المكان. وبيديه المرتعشتين وبحذر شديد يمسك «أبو نبيل» بأوراقه الشخصية الثبوتية القديمة، بينما ينقل عينيه بينها ويحكي: «هاي الورق هو اللي ضل معنا من البلد، بذكّرنا مين إحنا ومن وين إجينا، الاحتلال هدم البيوت لكن ما قدر يمحي الحقيقة». ويروي رحلة النزوح الطويلة، إذ بدأت منذ كان في الثانية عشرة من عمره عندما اضطر للجوء مع عائلته إلى قطاع غزة، ليستقر بهم الحال داخل مخيم المغازي. هناك كبر وتزوج وأنجب أبناءه، وظل طوال حياته يتمسك بحكايته الأولى، يرويها لأبنائه وأحفاده وجيرانه. يقول إن يافا لم تكن بالنسبة له مجرد مدينة، بل هوية كاملة ظل يخشى ضياعها: «لحد هلأ عندي الوثائق القديمة اللي بتثبت ملكية منزل والدي هناك والكوشان الفلسطيني اللي بيوثق اسمي وجنسيتي وجذوري الفلسطينية».

ذكريات نكبة 1948 والحرب على غزة

يصمت «أبو نبيل» قليلاً قبل أن يسترجع تفاصيل مدينته الأولى بحنين واضح، ثم يقول: «يافا كانت الروح بالنسبة إلنا، البحر والبرتقال والناس والبيوت القديمة، كنا عايشين حياة بسيطة وسعيدة، لحد ما أجبرونا نطلع منها، يومها حسّيت إنهم بيطلعوا روحنا من أجسادنا مش بس من المدينة، سرقوا عمري وحياتي». إلا أن النكبة التي عاشها طفلًا، عادت لتطارده شيخًا خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة. فمع اجتياح الاحتلال لمخيم المغازي في يناير من العام الماضي، اضطر «أبو نبيل» للنزوح مجددًا، ولكن هذه المرة من منزله الذي أمضى فيه عمره كله. يروي حفيده الثلاثيني «أسعد» تفاصيل الرحلة الثقيلة قائلاً: «جدي ما كان بدّه يطلع من البيت أبدًا، ومع اشتداد القصف وقربه حاولنا نقنعه بأي طريقة لأنه كان في خطر حقيقي على المنطقة، بيته قريب جدًا من الخط الأصفر اللي عمله الاحتلال خلال الحرب، وكان يشعر إن الخروج من البيت يعني إنه بيعيش التهجير مرة ثانية».

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

النزوح والعودة إلى خيمة فوق الركام

بعد محاولات عديدة نجحت الأسرة في إجلائه من المنزل، لينزح الرجل التسعيني مرة واحدة خارج المخيم باتجاه مدينة رفح أقصى جنوب القطاع، وعدة مرات داخله، متنقلًا بين الخيام ومراكز الإيواء، بينما كان يحمل خوفًا قديمًا لا يفارق ذاكرته. ويتابع «أسعد»: «كنا نعاني معه نفسيًا أكتر من تعب النزوح نفسه، كل مرة كان يكرر أنا خرجت من يافا وما رجعتش، وخايف أطلع من المغازي وما أرجعله، كان يتعامل مع الوضع كأنه امتداد لنكبة 1948». وبعد شهور من النزوح، عاد «أبو نبيل» إلى المخيم ليجد منزله وقد تحول إلى كومة ضخمة من الركام، ليقف طويلًا أمام المكان الذي عاش فيه شبابه وشيخوخته، قبل أن يتخذ قراره الأخير بنصب خيمته فوق الأنقاض والبقاء هناك. يقول حفيده: «أصر يعيش فوق ركام البيت قال لنا إذا ما ضلش بيت، بضلي أنا شاهد عليه، ومن يومها وهو رافض يترك المكان».

وداخل الخيمة الصغيرة يقضي الرجل التسعيني أيامه محاطًا بأحفاده وبالزوار الذين يقصدونه لسماع حكايته. لا يتحدث فقط عن الحرب الحالية، بل عن تاريخ طويل من الاقتلاع والتهجير عاشه الفلسطيني جيلاً بعد آخر. ويقول وهو ينظر نحو الركام: «إحنا عشنا النكبة زمان، واليوم أولادنا وأحفادنا بعيشوها من جديد، تغيّر شكل الحرب، لكن الوجع ما تغير، نفس الخوف ونفس الفقد ونفس الحنين للدار».

إحصائيات النكبة

وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن 957 ألف فلسطيني تم تشريدهم من أصل 1.4 مليون كانوا يقيمون في نحو 1,300 قرية ومدينة فلسطينية عام 1948، إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة، فضلاً عن التهجير الداخلي للآلاف منهم داخل الأراضي التي خضعت لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1948. إذ سيطر الاحتلال على 774 قرية ومدينة فلسطينية، منها 531 تم تدميرها بالكامل، فيما تم إخضاع ما تبقى من تجمعات فلسطينية إلى كيان الاحتلال وقوانينه. وقد صاحب عملية التطهير هذه ارتكاب العصابات الصهيونية أكثر من 70 مجزرة بحق الفلسطينيين، أدت إلى استشهاد ما يزيد على 15 ألف فلسطيني.