جنوب لبنان بين السيادة اللبنانية والهندسة الأمنية الإسرائيلية
جنوب لبنان بين السيادة والهندسة الأمنية الإسرائيلية

لا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على الاحتفاظ بمواقع عسكرية داخل جنوب لبنان بمعزل عن التحولات التي شهدتها البيئة الأمنية الإقليمية منذ اندلاع الحرب في غزة، وما تبعها من مواجهات متعددة الجبهات. فالمسألة تتجاوز اعتبارات المراقبة العسكرية أو منع التسلل الحدودي، لتندرج ضمن مشروع أوسع تسعى من خلاله إسرائيل إلى إعادة هندسة المجال الأمني المحيط بها وفرض قواعد اشتباك جديدة على حدودها الشمالية.

أزمة الردع الإسرائيلي

لقد كشفت الحرب الأخيرة عن أزمة عميقة في مفهوم الردع الإسرائيلي. فرغم التفوق العسكري والتكنولوجي الهائل الذي تمتلكه إسرائيل، فإن جبهة الشمال ظلت مصدر تهديد استراتيجي حقيقي نتيجة امتلاك حزب الله ترسانة صاروخية ضخمة وقدرات متطورة في مجال الطائرات المسيّرة والحرب غير النظامية. ولذلك فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لم تعد تنظر إلى الردع باعتباره قدرة على الرد فقط، وإنما باعتباره قدرة على منع تشكل التهديد أصلاً من خلال السيطرة على البيئة الجغرافية الحاضنة له.

أهمية المرتفعات الحدودية

من هنا تكتسب المواقع المرتفعة والمرتفعات الحاكمة أهمية خاصة. فالدراسات العسكرية الحديثة تؤكد أن السيطرة على المرتفعات الحدودية تمنح الجيوش أفضلية استخباراتية وعملياتية كبيرة، خاصة في الحروب الهجينة التي تعتمد على مجموعات صغيرة الحركة ومنصات إطلاق متنقلة. ولذلك فإن تمسك إسرائيل بهذه المواقع يعكس تحولاً من استراتيجية الردع بالنار إلى استراتيجية التحكم بالمجال، أي فرض سيطرة فعلية على الجغرافيا التي يمكن أن تنطلق منها التهديدات مستقبلاً.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مؤشرات ميدانية تدعم التوجه الإسرائيلي

بشكل عام، يلاحظ أن مؤشرات ميدانية تدعم هذا التوجه، لاسيما وأن هناك ثلاثة مؤشرات واقعية تكشف طبيعة التفكير الإسرائيلي الحالي:

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
  • التركيز على المرتفعات الحاكمة لا على التجمعات السكانية: فالتحركات الإسرائيلية تركز بصورة واضحة على المواقع الجبلية والتلال المشرفة على خطوط الحركة والاتصال في جنوب لبنان. وهذا يدل على أن الهدف ليس إدارة السكان أو احتلال مساحات واسعة من الأرض، وإنما امتلاك نقاط تفوق تسمح بالمراقبة والسيطرة النارية والاستخباراتية.
  • التوسع في استخدام القوة الجوية والاستخباراتية حتى بعد وقف إطلاق النار: حيث لا تتعامل إسرائيل مع وقف العمليات العسكرية بوصفه نهاية للمعركة، بل باعتباره انتقالاً إلى مرحلة إدارة التهديد. ولذلك استمرت في تنفيذ عمليات استهداف وضربات دقيقة كلما اعتقدت بوجود نشاط عسكري معادٍ. وهو ما يعكس توجهًا نحو فرض نموذج أمني مشابه لما تطبقه في الساحة السورية، حيث تمنح نفسها حق التدخل العسكري الاستباقي متى رأت أن مصالحها الأمنية مهددة.
  • السعي إلى ربط أي انسحاب كامل بمتغيرات أمنية لا زمنية: ففي السابق كانت الانسحابات العسكرية مرتبطة بجداول زمنية أو اتفاقات سياسية، أما اليوم فإن إسرائيل تربط وجودها الميداني بتحقق شروط أمنية قد يصعب قياسها أو التحقق منها بصورة نهائية، وهو ما يمنحها هامشًا واسعًا للمناورة وإطالة أمد وجودها العسكري.

البعد السياسي الداخلي في إسرائيل

في هذا الصدد لا يمكن فصل السياسة عن الأزمة السياسية الداخلية في إسرائيل. فبعد الصدمة الأمنية التي تعرضت لها الدولة العبرية في السنوات الأخيرة، أصبح ملف الأمن الشخصي للمستوطنين عاملًا حاسمًا في تشكيل الرأي العام الإسرائيلي. وتشير استطلاعات الرأي الإسرائيلية المتعاقبة إلى أن قضية إعادة الأمن إلى المناطق الحدودية باتت من أبرز أولويات الناخب الإسرائيلي. وبالتالي فإن أي حكومة إسرائيلية ستكون حريصة على إظهار أنها حققت تغييرًا ملموسًا في الواقع الأمني، وليس مجرد وقف مؤقت للقتال. ومن هذا المنطلق تصبح السيطرة على نقاط استراتيجية داخل الجنوب اللبناني بمثابة رسالة سياسية موجهة إلى الداخل الإسرائيلي بقدر ما هي رسالة عسكرية موجهة إلى حزب الله.

المعضلة اللبنانية

في المقابل، تكشف التطورات عن معضلة لبنانية مركبة. فالدولة اللبنانية تمتلك موقفًا قانونيًا قويًا يستند إلى مبدأ السيادة ورفض أي وجود أجنبي على أراضيها، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات تتعلق بقدرتها على فرض احتكار كامل للقوة في الجنوب. وهنا يكمن جوهر الإشكالية؛ فإسرائيل تربط انسحابها بقدرة الدولة اللبنانية على منع عودة البنية العسكرية لحزب الله، بينما يرى لبنان أن استمرار الوجود الإسرائيلي يقوض سلطة الدولة ويمنح الحزب مبررات إضافية للاحتفاظ بسلاحه. وعلى ذلك فإن كل طرف يستخدم حجة الطرف الآخر لتبرير موقفه.

البعد الإقليمي

أما على المستوى الإقليمي، فالأهم من ذلك كله أن جنوب لبنان لم يعد مجرد ملف لبناني-إسرائيلي. حيث يشير المشهد الإقليمي الحالي أن الحدود اللبنانية أصبحت إحدى ساحات التفاوض غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران. فكلما تعثرت التفاهمات الإقليمية ارتفع منسوب التوتر على هذه الجبهة، وكلما اقتربت الأطراف من تسويات أوسع تراجع التصعيد، وهو ما يعني أن مستقبل الجنوب اللبناني لن يتحدد فقط في بيروت أو تل أبيب، بل أيضًا في واشنطن وطهران.

الاستنتاج

بعبارة أخرى، إن المؤشر الأهم في المشهد الراهن يكمن في أن إسرائيل لا تتصرف باعتبارها خرجت من حرب وانتهت، بل باعتبارها دخلت مرحلة جديدة لإعادة صياغة النظام الأمني على حدودها الشمالية. ولذلك فإن الصراع الحالي ليس صراعًا على بضعة مواقع عسكرية أو تلال حدودية، وإنما صراع على من يملك حق تعريف الأمن في جنوب لبنان؛ هل هو الأمن الإسرائيلي القائم على السيطرة الاستباقية، أم الأمن اللبناني القائم على السيادة الكاملة للدولة؟ ومن المرجح أن يبقى هذا السؤال مفتوحًا خلال السنوات المقبلة، لأن جوهر الخلاف لا يتعلق بالجغرافيا وحدها، بل بموازين القوة الإقليمية التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط بأكمله.