تشكل العلاقة بين الدولة الأردنية وجماعة الإخوان المسلمين واحدة من أكثر العلاقات السياسية تعقيداً في التاريخ السياسي الحديث للأردن. فهي لم تكن يوماً علاقة صدام مطلق، ولا شراكة كاملة، بل حالة مركبة من التداخل السياسي والاجتماعي والتنظيمي، تأثرت بتوازنات الداخل الأردني والتحولات الإقليمية والدولية. ومع دخول العقد الأخير، بدأت هذه العلاقة تمر بمرحلة إعادة تعريف عميقة، انتقلت فيها من مساحة الشراكة السياسية غير الرسمية إلى مسار أكثر تقييداً قانونياً وتنظيمياً، وصولاً إلى مرحلة يمكن وصفها بـ«القطيعة الناعمة» أو «إعادة التموضع القانوني والسياسي».
السياق الأردني الداخلي وتقلص الهامش السياسي
إن فهم هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الأردني الداخلي. إذ لعبت الجماعة، تاريخياً، دوراً في الحياة العامة من خلال العمل النقابي والنيابي والاجتماعي، مستفيدة من هامش سياسي سمح به النظام، لاعتبارات تتعلق بالتوازنات الداخلية والاستقرار الاجتماعي. غير أن هذا الهامش بدأ يتقلص تدريجياً مع تراكم مجموعة من العوامل، أبرزها التحولات الإقليمية بعد عام 2011، وصعود المخاوف من تمدد التنظيمات ذات الطابع الأيديولوجي، وتزايد حساسية الدولة تجاه أي قوى موازية قد تنافس مركز القرار أو تمتلك شبكات تنظيمية مستقلة.
الإجراءات القانونية والتقييد التنظيمي
وعلى المستوى القانوني، شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من الإجراءات التي أعادت ضبط الإطار التنظيمي للعمل السياسي والحزبي في الأردن، بما في ذلك تشديد متطلبات الترخيص للأحزاب، وإعادة تعريف العلاقة بين الجمعيات السياسية والدولة، وصولاً إلى حالة من التفكيك التدريجي للبنية التنظيمية التقليدية للجماعة، أو على الأقل تقليص قدرتها على العمل ككيان موحد ومؤثر.
الدروس الإقليمية: لبنان نموذجاً تحذيرياً
ولا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن تجارب دول إقليمية أخرى، ولا سيما الحالة اللبنانية، حيث أدى وجود تنظيمات مسلحة ذات نفوذ سياسي وعسكري إلى خلق حالة من ازدواجية السلطة، وتعطيل القرار السيادي في بعض الملفات. وفي هذا السياق، يبدو أن الدولة الأردنية تحاول استباق أي سيناريو مشابه، عبر سياسة تقوم على منع تشكل «قوى موازية» تمتلك أدوات ضغط خارج الإطار الرسمي. فالدروس المستخلصة من الإقليم تشير إلى أن أي تداخل بين العمل السياسي غير المنضبط وبين شبكات تنظيمية قوية قد يؤدي إلى استقطاب داخلي حاد، واستنزاف طويل الأمد للدولة ومؤسساتها، حتى إن لم يتحول إلى صراع مسلح مباشر.
البعد الدولي وإعادة تصنيف الإسلام السياسي
لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل أن جزءاً من التحولات في العلاقة مع الإخوان يرتبط أيضاً بالتغيرات الدولية في مقاربة الإسلام السياسي. فقد أعاد عدد من الدول المؤثرة تصنيف بعض فروع الجماعة، أو الحركات القريبة منها، ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية أو المحظورة، أو على الأقل أعادت تلك الدول النظر في شرعيتها السياسية. ولم يكن هذا التحول موحداً على المستوى الدولي، لكنه أوجد بيئة سياسية أكثر تحفظاً تجاه الأحزاب ذات المرجعية الدينية، خاصة تلك التي تمتلك أذرعاً تنظيمية عابرة للحدود، أو خطاباً أيديولوجياً يتجاوز الدولة الوطنية.
إعادة تموضع الدولة الوطنية في مواجهة التحديات
ومن هنا، يمكن فهم التوجه الأردني باعتباره جزءاً من إعادة تموضع أوسع للدولة الوطنية في مواجهة تحديات ما بعد الدولة التقليدية، حيث لم يعد الخطر محصوراً في الجيوش النظامية أو الصراعات الحدودية، بل امتد ليشمل الفاعلين من غير الدول، بما في ذلك الأحزاب العقائدية والتنظيمات الشبكية. وفي هذا الإطار، تسعى الدولة إلى حصر العمل السياسي ضمن قنوات مؤسسية واضحة، تضمن الشفافية والمساءلة، وتمنع الازدواجية في المرجعيات.
مخاطر الإقصاء والفراغ التنظيمي
ومع ذلك، فإن أي معالجة مستقبلية لهذه العلاقة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار خصوصية التجربة الأردنية، التي تميزت تاريخياً بالانفتاح النسبي وإدارة التعددية السياسية ضمن حدود الاستقرار. فالمبالغة في الإقصاء، أو الدفع نحو القطيعة الكاملة، قد تحمل مخاطر غير محسوبة، تتمثل في انتقال النشاط السياسي إلى الهامش، أو إعادة إنتاجه في أشكال غير رسمية أقل قابلية للضبط. وفي المقابل، فإن استمرار أي فراغ تنظيمي غير منظم قد يخلق بيئة خصبة للتوترات الاجتماعية أو الاستقطاب الأيديولوجي.
السيناريو المستقبلي: إعادة صياغة العلاقة ضمن إطار قانوني جديد
إن السيناريو الأكثر واقعية للمستقبل لا يبدو قائماً على المواجهة الصفرية، بل على إعادة صياغة العلاقة ضمن إطار قانوني جديد يحدد بوضوح قواعد العمل السياسي وحدود المشاركة. وهذا يتطلب من جميع الأطراف الانتقال من منطق «التمثيل الشامل» إلى منطق «المشاركة المنظمة»، بحيث يصبح العمل السياسي مرتبطاً ببرامج وطنية، لا بهويات فوق دولية أو تنظيمات عابرة للحدود. كما أن التحدي الأكبر أمام الأردن في المرحلة المقبلة يتمثل في الحفاظ على توازنه الدقيق بين متطلبات الأمن الوطني من جهة، وضمان استمرارية الحياة السياسية التعددية من جهة أخرى.
التوازن بين الأمن والتعددية: دروس من لبنان
فالدولة الأردنية، بحكم موقعها الجغرافي الحساس وتداخلاتها الإقليمية، لا تملك ترف الانزلاق إلى نماذج الصدام الداخلي، كما لا يمكنها، في الوقت نفسه، تجاهل المخاطر المرتبطة بتنامي الفاعلين غير الرسميين. وفي ضوء ذلك، تبدو التجربة اللبنانية مثالاً تحذيرياً أكثر منها نموذجاً قابلاً للتكرار. فهناك أدى تداخل السلطة السياسية مع القوة العسكرية والتنظيمية إلى إضعاف الدولة المركزية وإطالة أمد الأزمات. وبالتالي، فإن أحد أهم دوافع السياسات الأردنية الحالية يتمثل في تجنب إنتاج أي بنية مشابهة، حتى إن اختلفت السياقات والتفاصيل.
الخلاصة: من الشراكة المرنة إلى التنظيم القانوني الصارم
وفي المحصلة، يمكن القول إن العلاقة بين الأردن وجماعة الإخوان المسلمين تدخل مرحلة جديدة من إعادة التشكيل، عنوانها الأبرز هو «الانتقال من الشراكة المرنة إلى التنظيم القانوني الصارم». وهي مرحلة لا تعني بالضرورة القطيعة النهائية، بقدر ما تعني إعادة تعريف المجال السياسي بما يتناسب مع التحولات الإقليمية والدولية، ومع متطلبات الدولة الحديثة في إدارة التعددية دون المساس باستقرارها. ويبقى التحدي الأساسي في كيفية تحقيق هذا التحول دون خلق فراغ سياسي أو اجتماعي، وبما يضمن أن تبقى الدولة الأردنية نموذجاً في الاستقرار المتوازن؛ لا في الإقصاء ولا في الفوضى، بل في القدرة على إدارة التعددية ضمن إطار وطني جامع يحصنها من تكرار تجارب الإقليم الأكثر اضطراباً.



