العائدون من الإخوان: حكايات توبة واكتشاف لحقيقة التنظيم الإرهابي
في كل عام، تحمل ذكرى 30 يونيو ذكريات مؤلمة لأشخاص كانوا حتى وقت قريب في معسكر الإخوان، عاشوا تحت الأرض لسنوات مغيبين بأوهام التنظيم، قبل أن يعلنوا التوبة والخروج نهائياً من عباءة الجماعة، فكراً وتنظيماً، والعودة إلى الحياة كمواطنين صالحين بتجربة قاسية من سنواتهم التي عاشوها، إما في سجن الجماعة وأفكارها المسمومة، أو في سجن جرائمهم التي ارتكبوها وهم على ذمة الإخوان.
أحمد حميدة: من حرق كمين إلى السجن 10 سنوات
لم يكن انتماء أحمد حميدة للإخوان هو الجريمة، على الأقل قبل 2014، الجريمة هي التي ارتكبها على مدار سنوات انضمامه، سواء بتصديقهم أو بمشاركتهم في الجرائم التي حثوا وحرضوا عليها، بدءاً من التظاهر ومواجهة المعترضين عليهم وصولاً إلى أعمال العنف والتخريب التي صاحبت ثورة 30 يونيو وما بعدها، وخاصة في اعتصامي رابعة والنهضة. لم يصل أحمد حميدة يوم فض الاعتصام لمؤازرة زملائه المعتصمين، لكنه امتثل لنفير الجماعة بحرق كمائن الشرطة، شارك في حريق كمين، فكان السجن 10 سنوات نتاجاً طبيعياً لجرائمه.
داخل السجن عرف حميدة الوهم الذي عاشه في قلب الإخوان، يعترف بأن كل ما تربى عليه وسط الجماعة دللوا هم أنفسهم على كذبهم بأن فعلوا عكسه، بداية من التكالب على السلطة والسعي للحكم وليس للدعوة، وصولاً إلى تغليب الجماعة على الأهل، والتنظيم على الوطن. يقول حميدة في تصنيف توبته: «جاءت بعد قناعة وبحث ومحاولة فهم، فالسجن وحده لن يغير قناعة إنسان عاش وتربي على أفكار بعينها، وكل ما يعنيني الآن ومنذ مغادرتي لهذا الكيان الملعون هو التعريف بالجرم، وتصحيح المفهوم المغلوط الذي يقدمون به كل من خرج عن ملتهم، وأمام كل سردية يقدمونها توجد حقائق تاريخية تفندها».
أساليب التجنيد: من المسجد إلى الجامعات
يؤكد حميدة أنه وكل من تربي في جحورهم يعرف جيداً المنهج الذي يتبعه أعضاء التنظيم لاختراق المجتمع، يلحظ مثل كثيرين ما وصفه بأنه «أفورة» في بعض الأزمات، يشم رائحة الإخوان فيها، من خلال تعليقات تثير الجدل أو ترويج لشائعات حول كثير من قضايا الرأي العام. ويؤكد حميدة أن حكايات تجنيد الشباب تبدأ من المسجد وأنشطة الدعوة والتفعيل يتم داخل الجامعات.
طارق أبو السعد: لسنا منشقين بل عائدون إلى الوطن
أكثر ما يضايق طارق أبو السعد، الخبير في الحركات الإسلامية، أنه ومنذ أعلن توبته عن الأخونة وخروجه من التنظيم هو ذلك اللفظ الذي يلاحقه ويفسد على الناس فهم ما مروا به. يقول أبو السعد لـ«الوطن»: «لسنا منشقين ولا يجب أن نكون بهذا المسمى ونحن نحارب فكراً تأصل في المجتمع المصري وأصبح له مريدون، لقد خاض الشعب المصري مرحلة صعبة حتى تعرف على جرائم الإخوان وأصبح الانتماء للتنظيم جريمة يحاسب عليها القانون، فهل يكون طبيعياً وصم من يغادرهم عن قناعة بأنه منشق عنهم؟.. الأولى أن يتم وصفهم بأنهم المنشقون عن الوطن وعن المجتمع».
رحلة أبو السعد مع الإخوان لم تختلف كثيراً عن جيله، كلهم عرفوا الإخوان من المساجد، وكلهم صدّقوا أن الجماعة دعوية، لتكشف لهم أحداث يناير وسعيهم للحكم من بعدها أن الجماعة سياسية، وأن الدين مجرد سياق. هنا وقبل إرهاصات 30 يونيو حدثت التوبة، ليبدأ أبو السعد من بعد 30 يونيو حياة جديدة، يقدم فيها نفسه باعتباره «وُلد من جديد»، بعد أن تطهّر من فكر وفعل الإخوان.
سارة محمد علي: من أبناء الجماعة إلى فضحها
ورغم أنها ابنة قيادي إخواني، لكنها لم تَسِرْ في طريق الأخونة بإرادتها، سارت وفقاً لقاعدة السمع والطاعة، لكنها لم تستطع إرغام عقلها على تصديق ما لا يصدقه عقل. هكذا دخلت في صدامات مع نساء الجماعة منذ يومها الأول في الوعي. رأت سارة محمد علي أن رأيها مهم حتى لو لم يسمعه أحد أو يطلبه أحد، كانت تعاقَب من قبل نساء الجماعة لأنها تفكر وترفض، وكان الصمت هو رد الفعل الوحيد من والدها. ورغم المقاومة التي تبديها من آن لآخر، لكنها لم تكن لتعلن انسلاخها عن الكيان خوفاً على أسرتها، قبل أن يدفع والدها ثمن انتمائه هذا. تروي سارة اللحظة التي انكشفت فيها الجماعة لها: «في فض اعتصام رابعة جاءني اتصال بأن والدي استشهد، لكننا خضنا رحلة البحث عن الجثمان، واكتشفنا بفحص الطب الشرعي أن الرصاصة التي قتلت والدي من المسافة صفر، أي إنه قُتل بمعرفة من كانوا يشاركونه الاعتصام».
هذه الحقيقة التي تحاول سارة تحقيقها بالأدلة، كانت دافعها الأكبر لإعلان رفض هذا التنظيم والبعد عنه، بل والتحول من كونها «أبناء الجماعة» إلى «سأفضح الجماعة»، ربما تساعد مغلوباً على أمره مثلها أو مشوشاً أو مغيباً في النجاة من هذه الحفرة. صحيح أن المساجد الآن أُغلقت في وجوههم وكانت هي بيئتهم الأمثل، لكنهم ما زالوا يحاولون التوغل من خلال صفحات التواصل الاجتماعي ومنصات السوشيال ميديا المختلفة.
عبدالمعطي رجب: البحث عن الحقيقة في السجن
في السجن أيضاً، مارس عبدالمعطي رجب التفكير، حصل على فرصته كاملة لإزاحة الغشاوة عن رأسه، ورأى بعين الإنصاف الجماعة في موقعها السليم، ليس دعوية بل سياسية، ليست دينية بل انتهازية. وبحسبه فإن البحث عن تاريخ الاضطهاد الذي تروجه الجماعة لنفسها يكشف أنه مزوَّر وموضوع، وأن كل الحوادث التي يستشهد بها الإخوان مردود عليها، وكلها لم تقع بالطريقة التي يقدمونها. لذا لا يكره الإخواني إلا من يقرأ ومن يناقشه.. وهو فعل الاثنين فكان بالنسبة لهم من الآثمين.
حبسه الاحتياطي وبراءته من كل التهم التي نسبت إليه في مرتين تم القبض عليه فيهما كان دليل كذب جديداً للإخوان، فلم تلفق له الداخلية التهم، ولم يحاكمه القضاء ويدينه دون اتهام. عاد عبدالمعطي إلى بيته بعد الحبس الاحتياطي الأول ليعيد التفكير في شريط 11 سنة في قلب الإخوان، سأل نفسه لماذا تتظاهر الجماعة بعد 30 يونيو؟، وحين أجابه أحدهم: دعماً لشرعية «مرسي».. فعاود عبدالمعطي السؤال: وهل كانت الجماعة ستتظاهر دعماً لشرعية أي رئيس آخر كانت ستسقطه 30 يونيو؟.. وحين لم يجد الإجابة قرّر الفرار من تنظيم «الكذب والضلال» كما يحلو له وصفه.
30 يونيو: فضحت الجماعة وأعادت التمييز بين الدين والدولة
ويظل العمل الأعظم الذي قدّمته «30 يونيو» للمصريين ليس الاستجابة لنداء الملايين بإسقاط محمد مرسي، لكن وبحسب كل من خلع عباءة الإخوان وعاد تائباً عن ذنب الأخونة في حديثهم لـ«الوطن» أنها فضحت الجماعة والتنظيم، وكشفت عن حقيقتهما وأعادت للمصريين مرة أخرى القدرة على التفرقة بين الدين والدولة، وأن الدين لله والوطن للجميع.



