تنطلق غدا الإثنين فعاليات المؤتمر الحادي عشر لمراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك الأمريكية، وسط حالة من الجدل جراء انتهاء مدة سريان معاهدة "نيو ستارت" الخاصة بخفض الأسلحة النووية الإستراتيجية بين روسيا وأمريكا في 5 فبراير الماضي، وسط تأكيد موسكو أنها ستواصل الالتزام بالقيود لمدة عام رغم غياب رد رسمي من واشنطن.
أجواء متوترة ومخاطر متزايدة
وبحسب تقارير إعلامية، يعقد المؤتمر في ظل أجواء متوترة للغاية وزيادة مخاطر الاستخدام النووي، جراء الصراعات المتنامية في الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فضلا عن تصاعد التوترات في منطقة غرب آسيا، والمخاوف من اعتلاء اليمين المتطرف سدة الحكم في أوروبا.
وحذرت الممثلة السامية للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح إيزومي ناكاميتسو من أن المراجعة تتيح للدول فرصة لتحديد المجالات المشتركة في ظل بيئة أمنية بالغة الصعوبة وخطاب متصاعد يثير القلق. وقالت: "إن خطر استخدام الأسلحة النووية يتزايد، ولا نريد أن يصبح هذا الأمر طبيعيا. فكلما زاد عدد الدول الحائزة للأسلحة النووية، ازداد خطر استخدامها عن طريق الخطأ".
تحذيرات روسية من انزلاق العالم نحو صراع نووي
من جهته، قال رئيس الوفد الروسي إلى المؤتمر الذي يستمر حتى 22 مايو المقبل أندريه بيلوسوف: "في ظل الأزمة الراهنة تتواصل الأعمال التصعيدية على طول المحور الروسي الغربي، مما ينتهك المصالح الأساسية لبلادنا ويهدد بالانزلاق نحو صراع مسلح مباشر بين القوى النووية"، محذرا من أن الدول الغربية "انخرطت في لعبة بالغة الخطورة".
وأضاف بيلوسوف: أود أن أشير إلى أن الثلاثي النووي الغربي يتصرف بما يخالف التفاهمات والاتفاقيات المنصوص عليها في البيان المشترك لقادة الدول الخمس النووية حول منع الحرب النووية وسباق التسلح الصادر في 3 يناير 2022؛ والولايات المتحدة وحلفائها يتبنون سياسة "السلام من خلال القوة" في مجال الاستقرار الاستراتيجي وهذا يعني عمليا أن الدول الغربية تسعى إلى تحقيق تفوق عسكري حاسم على منافسيها، وتحديدا روسيا والصين.
15 عاما من الاحتماء بمظلة ستارت الجديدة
جرى توقيع اتفاقية نيو ستارت –والتي تعرف أيضا باتفاقية ستارت الجديدة- بين موسكو وواشنطن عام 2010، ودخلت حيز التنفيذ عام 2011 لمدة أولية بلغت 10 سنوات، ثم تم تمديدها لمدة 5 سنوات في فبراير 2021، وهي المدة التي تنتهي غدا انتظارا لساعات حسم قد تغير المشهد في اللحظات الأخيرة.
بحسب الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية الأمريكية، فإن الاتفاق الأمريكي الروسي لتمديد الاتفاقية ينتهي في 4 فبراير 2026، مشيرة إلى أن واشنطن وموسكو التزمتا بالحدود المركزية للمعاهدة التي تقيد جميع الأسلحة النووية الروسية العابرة للقارات، بما في ذلك جميع الرؤوس الحربية النووية الروسية المحملة على الصواريخ الباليستية العابرة للقارات القادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة في غضون 30 دقيقة تقريبا.
كما تقيد المعاهدة صاروخي أفانجارد وسارمات، وهما أكثر الأسلحة النووية الروسية الجديدة بعيدة المدى والقادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة. وساهمت المعاهدة في خفض المخزون العالمي من الرؤوس الحربية النووية من ذروته البالغة 70 ألف رأس في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وتفرض المعاهدة قيودا على الأسلحة النووية الاستراتيجية، وهي الأسلحة التي يستخدمها كل طرف لضرب المراكز السياسية والعسكرية والصناعية الحيوية للطرف الآخر في حال نشوب حرب نووية، وتحدد سقفا أقصى يبلغ 1550 رأسا نوويا لكل طرف، مع عدم تجاوز عدد الصواريخ والطائرات القاذفة التي تطلق من الأرض أو الغواصات 700 صاروخ، و800 منصة إطلاق، إضافة إلى آليات تفتيش وإخطارات يومية حول التحركات والتجارب.
مخاوف من اندلاع سباق تسلح نووي ثلاثي الأطراف
ويحذر الخبراء من أن عدم تمديد المعاهدة –وهو الأمر الذي بات تحت رحمة ساعات قليلة- قد يؤدي إلى اندلاع سباق تسلح نووي ثلاثي الأطراف يضم الصين وروسيا والولايات المتحدة. ونهاية أكتوبر الماضي، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن بلاده تعتزم استئناف الاختبارات النووية بعد توقف دام أكثر من ثلاثة عقود. وجاءت تصريحات ترامب بعد أربعة أيام فقط من إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتهاء التجارب على صاروخ "بوريفيستنيك" النووي، ومطالبته القوات الروسية بتحديد الطرق الممكنة لاستخدامه.
ما هو الثالوث النووي؟
وأكد بوتين –آنذاك- أن "القوات المسلحة الروسية نفذت تدريبات وعمليات إطلاق قتالية، شملت جميع المكونات الثلاثة للثالوث النووي الاستراتيجي للبلاد خلال التدريبات التي أُجريت في وقت سابق من هذا الأسبوع، وصاروخ بوريفيستنيك، الذي يعمل بالطاقة النووية". ويشير مصطلح "الثالوث النووي" إلى طرق إطلاق الأسلحة النووية من الخزينة النووية الاستراتيجية، التي تتألف من ثلاثة مكونات هي قاذفة قنابل استراتيجية، وصاروخ باليستي عابر للقارات، وصواريخ باليستية تطلق من الغواصات، بحسب تقارير إعلامية.
وفي المقابل، يبلغ عدد الأسلحة النووية في الترسانة الأمريكية 5428 سلاحا نوويا، تشمل ما يسمى بالأسلحة الاستراتيجية والتكتيكية. ومن بين هذه الأسلحة، يجري نشر نحو 100 سلاح نووي عبر حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وتركيا.
تقرير البنتاجون يثير حفيظة بكين
على الرغم من أن الصين ليست طرفا في المعاهدة، ولم تكن طرفًا في أي اتفاقية للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية، إلا أن تقارير إعلامية ترى أن إسدال الستار على المعاهدة يفتح الباب أمام التنين الصيني للمضي قدما في تطوير أسلحته النووية، حيث تقدر وزارة الدفاع الأمريكية مخزون الصين من الرؤوس الحربية النووية بنحو 600 رأس (بعد أن تضاعف حجمه ثلاث مرات تقريبًا منذ عام 2020)، وتتوقع أن الصين في طريقها للوصول إلى مخزون يبلغ 1000 رأس حربي نووي بحلول عام 2030، وسط مخاوف من اشتعال صراع محتمل بين الصين والولايات المتحدة جراء الدعم الأمريكي لتايوان والتي تتعامل معها بكين باعتبارها جزءا من الأراضي الصينية.
وبحسب "البنتاجون"، فإن الترسانة الصينية النووية ستواصل النمو حتى عام 2035 على أقل تقدير، مشيرة إلى أن الصاروخ الباليستي العابر للقارات من طراز "دي إف- 27"، المدرج في الترسانة الصينية، يعد الأطول من نوعه من حيث المدى، إذ يتراوح مداه بين 5 آلاف و8 آلاف كيلومتر، ما يمكنه من استهداف ألاسكا وهاواي، وحتى البر الرئيسي للولايات المتحدة. وأوضح التقرير أن الجيش الصيني نشر صواريخ باليستية عابرة للقارات في صوامع إطلاق تقع في ثلاث مناطق صحراوية شمالي الصين قرب الحدود مع منغوليا، وقدر عدد هذه الصوامع بنحو 320 صومعة؛ إذ يعتقد أن أكثر من 100 منها تحتوي على صواريخ عابرة للقارات من طراز "دي إف-31" العاملة بالوقود الصلب.



