التلموديون الجدد: مرتزقة الخيانة وتزييف التاريخ في خدمة إسرائيل
التلموديون الجدد: مرتزقة الخيانة وتزييف التاريخ

في هذه اللحظة الدقيقة من التاريخ، يخرج علينا جوقة من المرتزقة، ألسنتهم ناطقة باسم إسرائيل، مموّلة بكرم سخي لا يُضاهى، ليُقنعوا العوام أن الخيانة هي المصلحة العليا، وأن الاستسلام هو قمة الحكمة، وأن مقاومة الاحتلال مجرد وهم طفولي لا طائل من ورائه.

تبرير جرائم الاحتلال

ويبررون بدم بارد قتل أطفال فلسطين في غزة، ويطلبون نسيان مذبحة بحر البقر كأنها حلم سيئ عابر. وأن العبودية ضرورة حضارية، وأن رموزنا التاريخية -صلاح الدين وأمثاله- لم يكونوا إلا حفنة من الخونة المتخلفين!

هكذا يُعاد كتابة التاريخ.. بأفلام مرتزقة وصوت مدفوع الأجر. معظمهم -وإن تظاهروا بالعمق- هم نصف مثقفين، وليسوا تنويريين.. هم تجار التنوير، يبيعون شكوكًا رخيصة، ويحصدون أرباحًا باهظة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

أهداف خفية وراء الخطاب الليبرالي

يتبنَّون خطابًا ليبراليًا متطرفًا في بعض جوانبه، ليس حبًا في الحرية، بل لتحقيق جملة أهداف مترابطة بدقة: تشويه الرموز الدينية الإسلامية ويقدمون أنفسهم كـ«العلاج الجذري» لظاهرة الإسلام السياسي، فيحصلون بذلك على غطاء سياسي ودعم خارجي سخي، مقابل أنهم -في الواقع- يقومون بتفكيك هوية ثقافية وتاريخية تعتبرها المنطقة جزءًا أصيلًا من كينونتها.

بهذا التشويه المنهجي للرموز، يُسهِّلون بناء ولاء جديد، ولاء مطلق للدولة العلمانية المجرَّدة، ويُمهِّدون الطريق لتطبيع مريح مع الغرب وإسرائيل، بعد أن يُفرغوا مفهوم المقاومة..

وإذا كان صحيحا أن الدول الكبرى تخلت عن احتلال دول أخرى عسكريا، بالاكتفاء بإيجاد سبيل حكم للعملاء، توفيرا للنفقات، وإبعاد سبل المقاومة الحقيقية التي يغفل عنها العرب منذ قرون، فإن هناك يهودا يعيشون بيننا على أنهم مسلمون، ويعتلون مناصب في الدول بل يقفون خطباء على منابر المساجد.

أسلوبهم عبر العصور

هذا أسلوبهم وطريقتهم على مر العصور المتعاقبة، ولكن المشكلة في العرب المغيبين الذين يعتقدون بسلامة نية أن هذا الشخص أو ذاك هو مسلم منحرف أو ضال أو فاسق أو غيره، والحقيقة أن هؤلاء الأشخاص هم المؤدبون حتى النخاع، ولا يحملون من الإسلام إلا الاسم فقط بما يخدم أغراضهم.

وقد قامت وزارة الخارجية الإسرائيلية ووجهات رسمية إسرائيلية خلال السنوات الماضية بعدة مبادرات لاستضافة وفود من الصحفيين والإعلاميين والمدونين العرب، وتندرج هذه اللقاءات في إطار جهود التطبيع والوصول إلى الجماهير العربية.

وكانت هذه الزيارات سريّة في البداية، ولكن مع تغير نهج الأنظمة العربية تحولت الزيارات من تحت الطاولة إلى فوق الطاولة، والجهر بالتخابر والتعاون مع دولة الكيان، وانحطاط الأخلاق والمبادئ أصبح الأمر نهارًا جهارًا..

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الصهيونية في ثوب عربي

ومن هنا، فإن أخطر ما ينبغي الانتباه إليه في المشهد الراهن هو أن الصهيونية لم تعد تتداول فقط عبر ناطقين بالعبرية أو صناع قرار في تل أبيب وواشنطن، بل أيضا عبر بعض الناطقين بالعربية الذين يتبنون مقدماتها المعرفية والأخلاقية والسياسية، حتى وإن لم يعلنوا ذلك بهذه الصراحة.

هؤلاء يطلبون من العربي أن يرى إسرائيل كحقيقة جيوسياسية نهائية لا يجوز المساس بها، وأن يرى مقاومة الاحتلال أو كل قوة خارج السقف الأمريكي-الإسرائيلي خطرا على الدولة والسيادة، وتهديدا للاستقرار.

وهؤلاء أنفسهم من سوقوا لفرية أن القضية الفلسطينية عبء على المشاريع الوطنية، بعيدا عن سياق الصراع الوجودي الأوسع الذي يعيد تعريف المنطقة ويحدد مصيرها ومستقبلها.

هذا هو التحول الأخطر، فانتقال الصهيونية من موقع العدو الخارجي إلى موقع المرجعية الواقعية الحاكمة لبعض النخب، يسهم في إعادة تشكيل الحساسية السياسية العربية ويعيد توجيهها.

إعادة إنتاج الخطاب القديم

إن قسما واسعا من النخب السياسية والفكرية والإعلامية، لم يتعامل مع الحرب باعتبارها اختبارا تاريخيا لطبيعة النظام الإقليمي، وإنما سارع في إعادة إنتاج الخطاب القديم نفسه بعبارات جديدة، من خلال الإصرار على أن إيران هي المشكلة، وأن سلاح المقاومة هو العقدة والمقوض لسيادة الدولة، وأن الاستقرار والواقعية تقتضي تجنب المغامرات.

هذه المفردات التي تشكل مرجعية تفسيرية للتحليل والفهم، ليست إلا أدوات للتمويه والتضليل، حيث يتم حرف المتلقي والمتابع عن المعتدي إلى المعتدى عليه، وبدل مساءلة مشروع الهيمنة والسيطرة الذي يستهدف المنطقة كلها، تتم محاكمة ردود الفعل عليه، وعوضا عن تسليط الضوء على خطورة منظومة الاستعمار على استقرار الإقليم، يتم تضخيم الأخطاء المحلية وتقديمها كسبب أول ونهائي لكل خراب.

نماذج من الخيانة

مثل من تدعى داليا زيادة على شاشة قناة تابعة للكيان، تمدح المجرمين، وتعزيهم في قتلاهم، وتتمنى السلامة لجيش الكيان، وتطالبه بمواصلة التدمير والتهجير، كانت تتحدث بحميمية مع المذيع، وتناديه باسمه، وتخفف من روعه لأنه يخشى عليها من هجوم البعض. وآخر جاهل عصامي يتباهى بالكيان ويحرض على جيش مصر.

وفي الداخل المصري أكثر من أديب، معروفين بالاسم، يجاهرون بولائهم للخارج إما للشهرة أو للتسول، ومع ذلك نغض الطرف عنهم حتى ظن البعض أنهم ينسقون مع جهات ما، ويعملون بتوجيهات منها. وبعضهم يتصدر المشهد، وتوكل إليهم مهام لا توكل لغيرهم، وكأنهم على صواب. ادعاء خطاب الانبطاح أنهم ليسوا مع أي نظام مجرد خداع، فلا أحد يمكن أن يكون فوق الواقع، وما يمارسونه من دور في الترويج للمستعمر، وتبرير جرائمه بالهجوم على من يتصدون له يكشف حقيقتهم، وأن دورهم لا يندرج تحت بند الحريات، إنما خطابهم موجه لتحقيق هدف واضح ومخزي.

وصف القرآن لهم

وسبحان الله يصفهم القرآن بدقة في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ”.