في مثل هذا اليوم من عام 1916، وفي غرف الدبلوماسية المظلمة، وقعت واحدة من أكثر الاتفاقيات إثارة للجدل في التاريخ الحديث، اتفاقية سايكس بيكو. لم تكن هذه الاتفاقية مجرد وثيقة لترسيم الحدود، بل عملية جراحية قيصرية لإعادة هندسة خريطة الشرق الأوسط على مقاس المصالح الاستعمارية للمملكة المتحدة وفرنسا، تزامناً مع تهاوي أركان الدولة العثمانية.
من سايكس وبيكو؟
لم يكن مهندسا هذه الاتفاقية قادة عسكريين في الميدان، بل دبلوماسيان يمثلان مصالح عواصمهما. السير مارك سايكس كان مستشاراً سياسياً ودبلوماسياً بريطانياً وخبيراً في شؤون الشرق الأوسط، بينما كان فرانسوا جورج بيكو قنصلاً فرنسياً سابقاً في بيروت وممثلاً لوزارة الخارجية الفرنسية يتبنى نزعة استعمارية حادة.
وانطلقت ملامح رؤيتهما للمنطقة من نظرة استعلائية تعتبر المشرق العربي مجرد إرث جغرافي شاغر بعد سقوط العثمانيين، فقسما المنطقة إلى مناطق نفوذ مباشرة وغير مباشرة (أ وب) بناءً على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، مثل خطوط النفط والسكك الحديدية والموانئ، دون أي اعتبار للتنوع الطائفي أو العرقي أو الرغبات الوطنية للشعوب المقيمة.
ولهذا لم تكن الاتفاقية مجرد تفاهم شخصي بين الرجلين، بل كانت مشروعاً تبنته وحمته قوى دولية كبرى في ذلك الوقت، حيث اشتركت في صياغتها والمباركة عليها الإمبراطورية الروسية القيصرية، بعد أن وافقت موسكو على التقسيم مقابل إطلاق يدها في الأناضول والسيطرة على المضائق التركية وأرمينيا.
غير أن هذه الحبكة السرية لم تدم طويلاً وفقاً للكاتب والمؤرخ زين نور الدين زين في كتابه "نشوء القومية العربية"، مؤكداً أن نجاح الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 هي التي فضحت هذه المؤامرة أمام العالم، حين قام البلاشفة بنشر نصوص الاتفاقية السرية من أرشيف الخارجية القيصرية، مما شكل صدمة كبرى للشريف حسين بن علي الذي كان ينسق مع بريطانيا لإقامة دولة عربية موحدة.
ماذا ترتب على مشروع سايكس بيكو؟
ترتب على هذا المشروع تفتيت وحدة بلاد الشام والعراق التاريخية، حيث وضعت سوريا ولبنان ولواء إسكندرونة تحت الانتداب المباشر وغير المباشر لفرنسا، بينما خضعت بغداد والبصرة وأجزاء واسعة من التاج العربي للسيطرة البريطانية، مع وضع فلسطين تحت إدارة دولية تمهيداً لتنفيذ وعد بلفور لاحقاً. هذا التوزيع القسري خلق كيانات سياسية هشة ومجتزأة، واقتطع أجزاء من جغرافيا متصلة ليصنع منها دولاً بحدود برية مصطنعة، مما أسس لحالة من عدم الاستقرار السياسي والنزاعات الحدودية المزمنة بين الدول العربية الوليدة.
واجهت اتفاقية سايكس بيكو انتقادات تاريخية وسياسية لاذعة من مؤرخي الشرق والغرب على حد سواء، وأبرز هذه الانتقادات أنها ضربت بعرض الحائط كل الوعود التي قطعتها بريطانيا للعرب بالاستقلال والحرية في مراسلات حسين مكماهون، مما جعلها رمزاً للغدر السياسي.
ويؤكد المفكر والمؤرخ جورج أنطونيوس في كتابه "اليقظة العربية" أن الاتفاقية ارتكبت خطيئة كبرى بتجاهل الروابط الثقافية والاجتماعية بين القبائل والعشائر، وزرعت بذور صراعات عرقية وطائفية متفجرة من خلال دمج جماعات متنافرة في دول واحدة أو تقسيم جماعة واحدة بين عدة دول، لتبقى الاتفاقية بعد مرور أكثر من قرن شاهداً على كيف يمكن لقلم دبلوماسي أن يحدد مصير ملايين البشر بجرة حبر.



