في واحدة من أخطر مراحل التصعيد العسكري التي يشهدها الشرق الأوسط منذ عقود، عاد البرنامج الصاروخي الإيراني إلى واجهة المشهد الدولي، بعدما تحولت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة إلى السلاح الأبرز في المواجهة بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين. ومع تصاعد الضربات المتبادلة بين طهران وإسرائيل، والولايات المتحدة على خط المواجهة بشكل مباشر، تتزايد التساؤلات بشأن حدود القوة الصاروخية الإيرانية، وما إذا كانت قادرة مستقبلًا على تجاوز الشرق الأوسط وتهديد أوروبا أو حتى الأراضي الأمريكية.
ترسانة ضخمة بُنيت تحت العقوبات
رغم العقوبات الغربية الطويلة والعزلة الاقتصادية، نجحت إيران خلال العقود الماضية في بناء واحدة من أكبر الترسانات الصاروخية في المنطقة، معتمدة على التصنيع المحلي والهندسة العكسية وتقنيات مستوحاة من برامج روسية وكورية شمالية وصينية. وتعتبر طهران أن برنامجها الصاروخي هو "الضمانة الاستراتيجية" الأساسية لبقاء النظام، خاصة في ظل محدودية قدراتها الجوية التقليدية مقارنة بالولايات المتحدة وإسرائيل. وتمتلك إيران وفقًا للتقارير، آلاف الصواريخ المتنوعة، من بينها صواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، إضافة إلى صواريخ كروز وطائرات مسيّرة هجومية وصواريخ فرط صوتية.
أخطر الصواريخ الإيرانية
صاروخ «سجيل»
يُعد من أخطر الصواريخ الإيرانية العاملة بالوقود الصلب، ويصل مداه إلى نحو 2500 كيلومتر، ما يضع إسرائيل وأجزاء واسعة من أوروبا الشرقية ضمن نطاقه.
«خرمشهر»
صاروخ بعيد المدى قادر على حمل رؤوس حربية كبيرة، ويصل مداه إلى نحو 2000 كيلومتر، مع قدرة تدميرية عالية.
«عماد» و«قدر»
يمثلان الجيل المطور من صواريخ شهاب، مع تحسينات تتعلق بالدقة والقدرة على المناورة خلال المرحلة النهائية من الطيران.
«خيبر»
أحد أحدث الصواريخ الإيرانية، ويتميز بسرعة عالية ومدى يصل إلى 2000 كيلومتر.
الصواريخ الفرط صوتية
كشفت إيران مؤخرًا عن صواريخ فرط صوتية تقول إنها قادرة على اختراق أنظمة الدفاع الجوي الحديثة بسبب سرعتها الهائلة وقدرتها على تغيير المسار أثناء الطيران.
المدن الصاروخية.. سلاح إيران الخفي
تعتبر المدن الصاروخية واحدة من أخطر أوراق القوة الإيرانية، وهي قواعد ومنشآت ضخمة تحت الأرض مخصصة لتخزين الصواريخ وإطلاقها. وتنتشر هذه المنشآت في مناطق عدة، بينها كرمانشاه وسمنان ومحيط الخليج، وتضم أنفاقًا وممرات محصنة تجعل استهدافها أكثر صعوبة حتى في حال تنفيذ ضربات جوية مكثفة. ويرى خبراء عسكريون أن هذه المنشآت تمنح إيران قدرة على مواصلة إطلاق الصواريخ حتى بعد تعرضها لهجمات واسعة.
هل تستطيع إيران ضرب أوروبا؟
حتى الآن، لا تمتلك إيران رسميًا صواريخ عابرة للقارات (ICBM)، وهي الصواريخ القادرة على قطع أكثر من 5500 كيلومتر. لكن التطور المتسارع في تقنيات الوقود الصلب والإطلاق الفضائي يثير قلقًا غربيًا متزايدًا، إذ يرى خبراء أن امتلاك صاروخ عابر للقارات ليس مستحيلًا بالنسبة لطهران إذا استمرت برامج التطوير الحالية. وفي حال نجاح إيران مستقبلًا في تطوير هذا النوع من الصواريخ، فإن أجزاء واسعة من أوروبا قد تصبح ضمن نطاق الاستهداف المباشر.
هل تصل الصواريخ الإيرانية إلى أمريكا؟
الولايات المتحدة تبقى حتى الآن خارج المدى المباشر للصواريخ الإيرانية التقليدية، لكن واشنطن تتابع بقلق تطور البرنامج الصاروخي الإيراني، خصوصًا مع مخاوف من دمج هذه القدرات مستقبلًا برؤوس غير تقليدية. كما تخشى واشنطن من أن تستغل إيران حلفاءها الإقليميين أو انتشارها البحري لتنفيذ هجمات غير مباشرة ضد مصالح أمريكية حول العالم.
«دييغو جارسيا».. الإنذار الذي أقلق الغرب
لم تعد المخاوف الغربية من البرنامج الصاروخي الإيراني مجرد سيناريوهات نظرية، بعدما كشفت تقارير عن محاولة إيران استهداف قاعدة "دييغو غارسيا" العسكرية البريطانية-الأمريكية في المحيط الهندي، باستخدام صواريخ باليستية متوسطة المدى، في خطوة اعتُبرت تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق. وبحسب تقارير أمريكية، أطلقت طهران صاروخين بعيدي المدى تجاه القاعدة الاستراتيجية الواقعة على مسافة تقارب 2500 ميل، إلا أن أحدهما سقط أثناء الطيران، بينما اعترضت البحرية الأمريكية الآخر بواسطة صواريخ "إس إم-3". ورغم فشل الهجوم، فإن الرسالة كانت واضحة: إيران باتت تمتلك قدرات صاروخية أبعد مدى مما كان يُعتقد سابقًا، خاصة أن المسافة إلى قاعدة دييغو غارسيا توازي تقريبًا المسافات الفاصلة بين إيران وعواصم أوروبية كبرى مثل لندن وباريس. وترى دوائر غربية أن أخطر ما كشفه الهجوم ليس فقط المدى الجديد للصواريخ الإيرانية، بل احتمال استخدام تكنولوجيا مشتقة من برنامج الفضاء الإيراني لتطوير صواريخ بعيدة المدى متعددة المراحل، وهي تقنية تقترب من مفهوم الصواريخ العابرة للقارات. كما عززت العملية المخاوف الأوروبية من أن تتحول القواعد والمصالح الغربية خارج الشرق الأوسط إلى أهداف مباشرة في أي مواجهة مستقبلية مع طهران، خاصة بعد تهديدات إيرانية مباشرة لبريطانيا والدول الداعمة للولايات المتحدة وإسرائيل. ويرى محللون أن استهداف "دييغو غارسيا" قد يمثل نقطة تحول في العقيدة العسكرية الإيرانية، بعدما انتقلت طهران من سياسة "الردع الإقليمي" إلى إرسال رسائل عسكرية تتجاوز حدود الشرق الأوسط، في مؤشر على تصعيد قد يعيد رسم خريطة التهديدات العالمية.
استراتيجية «الإغراق الصاروخي»
تعتمد إيران في حروبها الحديثة على ما يُعرف باستراتيجية "الإغراق الصاروخي"، والتي تقوم على إطلاق أعداد ضخمة من الصواريخ والطائرات المسيّرة في وقت واحد، بهدف استنزاف أنظمة الدفاع الجوي وإرباكها. وخلال المواجهات الأخيرة، أطلقت إيران مئات الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل ودول الخليج، في محاولة لتجاوز منظومات الدفاع مثل "القبة الحديدية" و"باتريوت". ويرى محللون أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في دقة الصواريخ، بل في كثافتها العددية وقدرتها على إنهاك الخصم تدريجيًا.
حرب استنزاف طويلة
تشير تقديرات عسكرية إلى أن إيران كانت تمتلك قبل التصعيد الأخير نحو 2500 صاروخ باليستي، إضافة إلى آلاف المسيّرات الهجومية. لكن الحرب الحالية كشفت أيضًا عن خسائر كبيرة في منصات الإطلاق والبنية التحتية، بعدما أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل تدمير أجزاء واسعة من القدرات الصاروخية الإيرانية. ورغم ذلك، تؤكد طهران أنها استعادت جزءًا كبيرًا من قدراتها، وتواصل تطوير برامجها الدفاعية والهجومية بوتيرة متسارعة.
سباق تسلح مفتوح
في المقابل، دفعت الحرب الولايات المتحدة إلى التحرك لتعزيز مخزوناتها العسكرية، وسط تقارير عن اجتماعات عاجلة مع شركات السلاح لتسريع إنتاج الذخائر والصواريخ الاعتراضية. كما كثفت إسرائيل عملياتها الجوية والاستخباراتية لمنع إيران من إعادة بناء قوتها الصاروخية بالكامل. ويرى مراقبون أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة "سباق الصواريخ"، حيث باتت التكنولوجيا العسكرية والقدرات بعيدة المدى العامل الحاسم في موازين القوة.
هل يتغير شكل الحرب العالمية المقبلة؟
يرى خبراء أن الحروب المستقبلية لن تعتمد فقط على الجيوش التقليدية، بل على الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة والحروب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي. وفي قلب هذا التحول، تحاول إيران تثبيت نفسها كقوة صاروخية كبرى قادرة على فرض معادلات ردع جديدة، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل ربما على مستوى أوسع. ويبقى السؤال الأخطر: إذا استمرت طهران في تطوير قدراتها الصاروخية، فهل يتحول التهديد الإيراني من أزمة إقليمية إلى تحدٍ عالمي يضع أوروبا والولايات المتحدة داخل دائرة النار؟



