دياز-كانيل بين وصية الثورة وامتحان البقاء: كوبا تستحضر مأساة جيفارا في مواجهة عقوبات ترامب
في يناير 1959، دخل ثوار تشي جيفارا العاصمة الكوبية هافانا معلنين انتصار الثورة، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الجزيرة التي عرفت بـ"لؤلؤة الكاريبي". وعلى مدى 67 عاماً، باتت قصص هؤلاء الثوار رمزاً للثقافة الشعبية، وأصبحت صورة البطل الأسطوري جيفارا، ذلك الطبيب الثوري الكوبي الماركسي الأرجنتيني المولد، معلقة على جدران أجيال وأجيال تحلم بثورة تحطم القيود.
الاستسلام ليس خياراً: شعار يواجه عواصف ترامب
يؤمن الرئيس الكوبي ميجيل دياز-كانيل بأن "الاستسلام ليس خياراً"، بحسب تصريحاته ردا على تهديدات الإدارة الأمريكية المتواصلة لبلاده. يقولون عن جيفارا إنه "مصدر إلهام لكل إنسان يحب الحرية"، فهل ينجو دياز-كانيل من مصيره أم أنه مثله "سيحارب ويموت بسبب معتقداته"؟
خلال الساعات الماضية، تصدرت تصريحات دياز-كانيل بأن "بلاده ستدافع عن نفسها ضد عدوان الإرهابيين والمرتزقة الذين يسعون إلى تقويض سيادة الدولة واستقرارها الوطني". وذلك بعد ساعات من استهداف القوات الكوبية لزورق أمريكي اقتحم مياهها الإقليمية، ما أدى لمقتل 4 أمريكيين وإصابة ستة آخرين.
عقوبات ترامب تعقد مسيرة الثورة الكوبية
صعود دياز-كانيل، وتوجهاته الشيوعية، لم ينل رضا الولايات المتحدة، حيث شهدت العلاقات الأمريكية الكوبية توترات متصاعدة بلغت ذروتها في عام 2025. بعدما فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقوبات على السفن التي تنقل النفط إلى الأراضي الكوبية، وهدد بفرض رسوم جمركية على الموردين، واصفا كوبا بـ"دولة فاشلة ينقصها المال والشحنات وكل شيء".
تصريحات ترامب ربما بدت قاسية، لكنها تعبر عن واقع مأساوي تعيشه كوبا في ظل سيل العقوبات والتهديدات الأمريكية. إذ تخلى 70% من الكوبيين عن تناول إحدى الوجبات اليومية، ويعيش 89% منهم في حالة من الفقر المدقع. وانخفض عدد سكانها من 11 مليون إلى 8.5 مليون نسمة جراء "نزيف هجرة لا ينقطع"، وكميات نفط لا تكفي لأكثر من 40% من الاحتياجات الكوبية، بحسب تقارير إعلامية دولية.
مسيرة دياز-كانيل: من النشاط الطلابي إلى قمة السلطة
ولد دياز-كانيل، والذي يعني اسمه المعلم، في 20 إبريل 1960؛ وتدرج داخل صفوف الحزب الشيوعي الكوبي، بدءا من النشاط الطلابي والشبيبة الشيوعية، وصولا إلى عضوية المكتب السياسي والمناصب الوزارية والتنفيذية. قبل أن يصبح أول شخص ولد بعد الثورة الكوبية يتولى رئاسة كوبا في 19 إبريل 2018.
نشأ دياز-كانيل في أسرة متوسطة الحال، فوالده كان عاملا في مصنع، ووالدته معلمة. ودرس الهندسة الكهربائية في الجامعة المركزية "مارتا أبرو" في لاس فيلاز بمدينة سانتا كلارا، حيث شغل منصب نائب رئيس الاتحاد الطلابي الجامعي، وتخرج فيها عام 1982، ونال درجتي الماجستير في الإدارة والعلوم التقنية.
صعود لافت في الحزب الشيوعي وتحديات راهنة
بعد تخرجه، أدى كانيل الخدمة العسكرية في وحدة الصواريخ المضادة للطائرات؛ وأُسندت إليه مهمة العمل ضمن وحدة الحراسة المكلفة بتأمين الحماية الشخصية لكل من الأخوين فيدل وراؤول كاسترو. وفي عام 1987، عين ممثلا للحزب الشيوعي في نيكاراجوا الخاضعة للحكم الاشتراكي آنذاك، في مهمة وصفت بأنها إستراتيجية.
نال عضوية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكوبي في عام 1991، مما عزز مكانته وأهميته داخل هياكل القيادة السياسية في البلاد. ثم شغل منصب السكرتير الأول للحزب الشيوعي الكوبي في مقاطعة فيلا كلارا، لينضم إلى مجموعة مختارة من قادة الحزب الإقليميين.
وفي عام 2009، اختاره راؤول كاسترو وزيرا للتعليم العالي، وظل يشغل هذا المنصب حتى مارس 2012، عندما أصبح أحد نواب رئيس مجلس الوزراء الثمانية، متوليا مسؤولية القطاعات التعليمية والثقافية والرياضية.
استحضار مأساة جيفارا وراعي الأغنام
تنقل جريدة "ذا جابان تايمز" عن المدير التنفيذي لمجموعة دراسات كوبا ريكاردو هيريرو قوله: "إن الرئيس الكوبي دياز-كانيل لا يملك حلفاء في نصف الكرة الغربي مستعدين للمخاطرة بعلاقاتهم الهشة أصلا مع واشنطن من أجل كوبا"، مشيرا إلى المكسيك والبرازيل وكولومبيا.
يضيف هيريرو: "من الصعب تخيل أن روسيا أو الصين أو أي طرف آخر سيهب لإنقاذ كوبا؛ وحتى لو وجدت كوبا موردا للوقود، فمن غير المرجح أن تحصل على الصفقات التفضيلية التي كانت تقدمها كاراكاس. فأي منقذ جديد سيتعين عليه تحمل مخاطر ائتمانية كبيرة مع كوبا، ومواجهة واشنطن سياسيا، ويبدو أن كوبا بلا خيارات، وأن اقتصادها سيتحطم".
تحدت كوبا الصعاب طويلا، ونجت من محاولات أمريكية متعددة للإطاحة بقادتها منذ ثورة 1959، لكن طريق دياز-كانيل يبقى مرهونا بمساري "الوطن أو الموت" أو راعي أغنام –جديد- يزعم أن "حروبه مع العدو تخيف أغنامه".
