بعد تحقيق الجماعة المحظورة لأكبر أهدافها في أعقاب ثورة يناير، دعا طارق أبو السعد، المنشق عن صفوفها، إلى التوقف عن العمل السياسي والاكتفاء بالعمل الدعوي. كانت هذه الدعوة بمثابة شرارة للخلافات مع القيادات والأعضاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام حيز من الحرية لم يعتادوه، مما أغراهم بالمزيد من الانخراط السياسي، وهو ما يتناقض مع فكرة أبو السعد التي لم تلق قبولاً داخل التنظيم في ظل حالة الحماس السياسي آنذاك.
محاكمات تنظيمية انتهت بالفصل
تصاعدت الخلافات بين أبو السعد والأطر التنظيمية المختلفة، وتطورت إلى إجراءات تنظيمية بحقه. خضع لتحقيقات داخلية أشبه بالمحاكمات التنظيمية، بسبب تمسكه بآرائه وعدم التراجع عنها. واتخذت الجماعة قراراً بفصله بعد إصراره على التعبير عن مواقفه داخل النقاشات الداخلية. ويصف أبو السعد تلك اللحظة بأنها نهاية علاقته التنظيمية بالجماعة بشكل رسمي. لم تكن هذه المحاكمات ذات طابع قضائي تقليدي، بل كانت تتم عبر لجنة مكونة من 3 أعضاء يمثلون مستويات تنظيمية مختلفة: الشعبة والمنطقة والمحافظة، وغالباً ما يكونون جميعاً من أعضاء المكتب الإداري. كانت الجلسات تجمع بين الادعاء والحكم في آن واحد، دون وجود طرف دفاع مستقل، ويُطلب من العضو محل التحقيق أن يدافع عن نفسه أمام الاتهامات الموجهة إليه مباشرة.
تجميد العضوية وحملات التشويه
تكررت الجلسات أكثر من مرة، حيث كان يُستدعى في كل مرة لمناقشة مواقفه وآرائه، قبل أن يصدر القرار النهائي في شهر أبريل، والذي تضمن تجميد عضويته داخل الجماعة إلى أجل غير مسمى. هذا القرار كان يعني عملياً إيقاف مشاركته في الأسر التربوية واللقاءات التنظيمية، مع تعميم داخلي يفيد بأنه لم يعد عضواً في الجماعة، وعدم التعامل مع ما يصدر عنه من آراء باعتبارها صادرة من داخلها. وصاحب ذلك القرار حملات تشويه أو ما يصفه بالاغتيال المعنوي داخل الدوائر التنظيمية، كانت محدودة في مرحلتها الأولى، قبل أن تتصاعد بشكل أكبر لاحقاً، خاصة بعد قراره المشاركة في 30 يونيو، وانخراطه في الإعلام وبدء الحديث علناً عن ما يعتبره مواطن خلل داخل التنظيم.
مراجعات من داخل الإخوان
يصف أبو السعد الفترة من 2011 إلى 2013 بأنها مرحلة مراجعة فكرية داخل الإطار التنظيمي نفسه. لم تكن هذه المراجعة قطيعة كاملة مع الأفكار السابقة، بل كانت محاولة للبحث عن حلول أو مخارج داخل بنية الجماعة، دون الوصول إلى إدانة حادة لها في تلك المرحلة. ويضيف أن هذه الحالة كانت، من وجهة نظره، مرتبطة بقدر من الانتماء العاطفي والتنظيمي، حيث كان يجد صعوبة في تبني موقف قاطع ضد التجربة التي عاشها لسنوات طويلة، مما جعله يصف تلك المرحلة بأنها مراجعة من داخل الإخوان أكثر من كونها نقداً خارجياً كاملاً.
التحرر من العقل التنظيمي
بدأ التحول الحقيقي عندما تحرّر أبو السعد من الإطار التنظيمي، وبدأ في البحث عن المعلومات وتحليلها بعقله الشخصي دون الاعتماد على التوجيهات التنظيمية. ويؤكد أن أخطر ما في التجربة هو التحول من التفكير الفردي إلى التفكير الجماعي الموجه، حيث يصبح الفرد ناقلاً لأفكار الجماعة، لا منتجاً لأفكاره الخاصة. عاش فترة طويلة يتبنى فيها مواقف جاهزة تُطرح عليه من أعلى التنظيم، ثم يعيد ترديدها في النقاشات العامة. وجاءت مرحلة ما بعد خروجه من الإطار التنظيمي نقطة تحول أساسية، إذ بدأ في بناء رؤيته الخاصة بعيداً عن التأثير الجماعي المباشر، وهو ما قاده إلى مراجعات فكرية انتهت إلى القناعات التي طرحها.
كتاب غيّر مسار المراجعة
بعد 30 عاماً من الانتماء، بدأ أبو السعد رحلة بحث عن الذات وإعادة فحص للأفكار التي كان يؤمن بها طوال تلك السنوات. في تلك المرحلة التقى بأحد القيادات الإخوانية السابقة، ويدعى محسن القوي، أهداه كتاباً بعنوان «قلب الإخوان». وجد أبو السعد الكتاب مليئاً بإجابات لعدد من الأسئلة التي كانت تشغله في تلك المرحلة، لدرجة أنه قرأه كاملاً في ليلة واحدة.
تواصل فكري مع ثروت الخرباوي
في صباح اليوم التالي مباشرة، حاول أبو السعد الوصول إلى مؤلف الكتاب، ثروت الخرباوي، وأجرى معه اتصالاً مباشراً تحدث فيه عن قراءته للكتاب، وهو ما شكّل بداية تواصل فكري بينهما في تلك المرحلة. واستمر التواصل مع الكاتب لفترة امتدت قرابة شهرين، حيث كانا يجريان نقاشات يومية عبر الهاتف لمدة ساعة أو أكثر، رغم المسافة بين القاهرة ودمنهور. تعامل الخرباوي معه بهدوء وساعده على تجاوز حالة التشوش الفكري التي كان يعيشها، وتبني منهج مختلف في التفكير، قائم على مقارنة الأفكار بالواقع، وفحص الممارسة مقابل الخطاب النظري، ليعيد قراءة تجربته السابقة بشكل أعمق.
لا مكان آمن على الإطلاق
الغريب أن أبو السعد لم يشعر بالندم بعد كل هذا، ولم يحزن على الـ30 عاماً التي مضت من عمره، حتى عندما فطن إلى حقيقة ما كان ينتمي إليه. يعتبر الأمر برمته تجربة، منحته فرصة فهم تفاصيلهم من الداخل، ومنحته قدرة على البدء من جديد، ليس في صفوفهم ولا في صفوف الدعوة للانضمام إليهم، لكن في صفوف أخرى تفضح ممارساتهم وتقدم النصيحة لمن يقع في الشباك مثلما وقع فيها. ويحمل أبو السعد الكثير ليقدمه، ويلفت النظر إلى دور الأسرة، مؤكداً أنه لا يوجد مكان أمان بطبيعته، فقد تم اختراقه من المسجد، فهل يوجد مكان أكثر أماناً منه؟ ودور الأسرة الذي ينوه إليه ليس مراقبة الأبناء ولا تعقب خطواتهم، لكن الاقتراب من كل التفاصيل، وعدم السماح لأحد بأخذ مكانها. فالمسجد له وقت، والمقهى له وقت، وكلاهما مهم للشباب في مراحل حياتهم، والتديّن ليس له مظهر لأنه نتاج علاقة الإنسان بخالقه، وهي علاقة لا يراها سوى طرفيها.
رواية التجربة كرسالة توعية
يسير أبو السعد بين الناس بحكايته، يرويها دون طلب، ويُسهب في أدق تفاصيلها، ويحولها إلى دروس وعبرات لأبنائه ومحيطه الأسري أولاً، وكل الدوائر التي تتسع حولهم. ويؤكد أنه لا يوجد مكان سيئ بذاته، المهم هو الممارسات التي تتم فيه، ولا يوجد تنظيم سري مشروع، فالمشروع يتم في العلن. يتحرك أبو السعد بمجموعة ثوابت بين الناس كمعلومات أساسية تناسب البسطاء من أهالي القرية، لكن هذا ليس كافياً.
الخوف من التسلل لا العودة
يرى أبو السعد أن مشروعاً قومياً للتحصين لا بد أن ينطلق في كل ربوع مصر، مستخدماً سُبل الاختراق التقليدية والمستحدثة بسبب السوشيال ميديا والتكنولوجيا، وليس ضد فكر الإخوان فحسب، بل ضد أي فكر لتنظيم سري. لا يخشى أبو السعد العودة التنظيمية، فهي مستبعدة عن هيكل الإخوان بعد انهيارهم، لكنه يخشى التسلل الاجتماعي التدريجي، وإعادة تشكيل بطيئة للوعي العام، تتم تحت أستار مختلفة، وبخطاب جديد، لكنه يحمل في جوهره الهدف ذاته بإعادة الاندماج داخل المجتمع من جديد. وهو ما يحاولونه بحصار كل الخارجين عنهم وملاحقتهم، على الأقل عبر السوشيال ميديا من خلال لجان محترفة.



