رغم غياب تحالف رسمي يجمع بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، فإن تنامي التعاون بينها في السنوات الأخيرة أثار مخاوف متزايدة في الولايات المتحدة، التي ترى أن هذا التقارب يعيد تشكيل موازين القوى الدولية ويمنح خصومها قدرات عسكرية واقتصادية أكبر، وفقًا لمقال كتبه توماس رايت، الباحث الأمريكي ومؤلف كتاب «تدابير لا تشعل الحرب»، بمجلة «فورين أفيرز».
تسارع التعاون بعد الحرب الأوكرانية
وقال «رايت»، إن هناك سلسلة من التطورات الأخيرة، أبرزها الزيارات المتبادلة بين قادة هذه الدول، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية وعسكرية، إضافة إلى تقارير تحدثت عن تقديم الصين وروسيا دعمًا غير مباشر لإيران خلال حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، شمل معلومات استخباراتية وتقنيات عسكرية ومعدات متطورة.
ويرى الكاتب أن غياب معاهدة دفاع مشترك لا يعني ضعف هذا التقارب، بل قد يمنحه مرونة أكبر، إذ تعتمد هذه الدول على شبكة من الاتفاقات الثنائية التي تتيح تبادل التكنولوجيا والخبرات والموارد بصورة أسرع وأقل تكلفة سياسية من التحالفات التقليدية.
ويشير إلى أن هذا التعاون تسارع منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، عندما دفعت العقوبات الغربية موسكو إلى تعميق شراكاتها العسكرية مع طهران وبيونغ يانغ وبكين. وزودت كوريا الشمالية روسيا بكميات كبيرة من الذخائر والصواريخ، مقابل مساعدات عسكرية وتقنية، بينما وفرت إيران طائرات مسيّرة وصواريخ وخبرات فنية، قبل أن يتطور التعاون إلى إنتاج مشترك للطائرات المسيّرة داخل روسيا.
أما الصين، فلم تقدم أسلحة مباشرة، لكنها وفرت لروسيا تقنيات ومكونات صناعية ذات استخدام مزدوج ساعدتها على إعادة بناء صناعاتها الدفاعية، كما توسع التعاون العسكري بين البلدين من خلال التدريبات المشتركة وتبادل الخبرات. وفي المقابل، نقلت روسيا إلى شركائها تقنيات عسكرية متقدمة في مجالات الفضاء والصواريخ والغواصات والبرامج النووية، وهو ما تعتبره المؤسسات الأمنية الأمريكية عاملًا قد يغير موازين القوى الإقليمية.
ليس المجال العسكري فقط
ولا يقتصر التعاون بين هذه الدول على المجال العسكري، إذ تعمل أيضًا على تخفيف آثار العقوبات الغربية عبر شبكات مالية وتجارية بديلة، وتعزيز الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا، إلى جانب استخدام أطر مثل مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون لتوسيع تعاونها السياسي والاقتصادي خارج المنظومة التي تقودها الولايات المتحدة.
ويرى الكاتب أن التاريخ يثبت أن التحالفات الرسمية بين الأنظمة السلطوية كثيرًا ما كانت هشة، بما في ذلك تحالف دول المحور خلال الحرب العالمية الثانية أو التحالف الصيني السوفيتي، بينما قد يكون النموذج الحالي أكثر فاعلية لأنه يقوم على المصالح العملية والتنسيق المرن بدلاً من الالتزامات القانونية.
ورغم وجود خلافات بين هذه الدول، فإن قياداتها تبدو حريصة على احتواء تلك التباينات والحفاظ على مستوى التعاون، وهو ما يجعل هذا التقارب أكثر استقرارًا مما يعتقده بعض المحللين.
ويحذر الكاتب من أن هذا التعاون قد يؤدي إلى تدخل غير مباشر من إحدى هذه الدول في أي صراع تخوضه دولة أخرى، كما يزيد من احتمال اندلاع أزمات متزامنة تستنزف القدرات الأمريكية، فضلًا عن تقويض فعالية العقوبات الغربية.
هل تستطيع واشنطن تفكيك التحالف؟
ويؤكد أن الولايات المتحدة لن تتمكن على الأرجح من تفكيك هذا التقارب، لكنها تستطيع الحد من تأثيره عبر تشديد العقوبات، وسد ثغرات نقل التكنولوجيا، وكشف أنشطة التعاون غير المشروعة، وتعزيز التنسيق مع الحلفاء لمنع توسع هذه الشبكة والتعامل مع تداعياتها الأمنية، معتبرًا أن هذا التحالف غير الرسمي يمثل أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه واشنطن في المرحلة الحالية.



