علي جمعة: التقويم الهجري ذاكرة أمة وهوية حضارة
قال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن التقويم الهجري يمثل ذاكرة الأمة وهوية الحضارة الإسلامية، مؤكدًا أنه ليس مجرد أرقام وأيام بل هو بداية دولة وعلامة على انتقال المسلمين من الضعف إلى البناء.
اختيار الهجرة بداية للتاريخ
وأوضح جمعة أنه عندما أراد المسلمون وضع تاريخ جامع لأمورهم في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ناقشوا التأريخ من مولد النبي صلى الله عليه وسلم أو من مبعثه أو من هجرته أو من وفاته، واستقر رأيهم على الهجرة لأنها كانت فارقًا عظيمًا في تاريخ الإسلام.
وأضاف أن عمر بن الخطاب اختار أن تكون بداية العام من شهر المحرم لأنه يأتي بعد الرجوع من الحج وانقضاء أشهر النسك، فبدأ التأريخ الهجري من الهجرة وبدأت السنة بشهر الله المحرم.
إبطال النسيء في الإسلام
ونوه جمعة إلى أن العرب قبل الإسلام كانوا يعرفون ما يسمى بـ"النسيء"، وهو التلاعب بمواضع الشهور القمرية لأغراض القتال، فكانوا يؤخرون حرمة شهر إلى شهر آخر ويغيرون أسماء الشهور بحسب أهوائهم. وجاء الإسلام فأبطل النسيء ورد الشهور إلى مواضعها التي جعلها الله عليها، مستشهدًا بقوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ}.
وأشار إلى أنه في السنة التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، كانت الشهور قد عادت إلى مواضعها الأصلية، فقال النبي: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ"، أي أن الزمان عاد إلى صورته الصحيحة.
التقويم الهجري تقويم قمري
وبين جمعة أن التقويم الهجري تقويم قمري يعتمد على رؤية الهلال، مستشهدًا بحديث النبي: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ"، موضحًا أن هذه هي القاعدة التي يسير عليها المسلمون في دخول الشهور وخروجها.
وأوضح أن السنة القمرية تتراوح غالبًا بين 353 و355 يومًا بحسب ثبوت بدايات الشهور وتمامها أو نقصانها، فقد يأتي الشهر 29 يومًا وقد يأتي 30 يومًا، ولا تسير الشهور على نسق واحد دائم لأن حركة القمر ليست كحركة الشمس في انتظام الحساب.
الفرق بين الحساب والرؤية
وشدد جمعة على أهمية التمييز بين الاستئناس بالحساب الفلكي والاعتماد عليه، فالحساب يستأنس به ويعين على معرفة إمكان الرؤية لكنه لا يغني عن الرؤية الشرعية، ولذلك تجمع الشريعة بين الحساب والرؤية: نستأنس بالحساب ونضبط به الإمكان، ثم تكون العبرة بثبوت الهلال بالرؤية أو بإكمال العدة.
واختتم جمعة بالتأكيد على أن التقويم الهجري يقوم على اثني عشر شهرًا قمريًا لا نسيء فيه ولا تلاعب بمواضع الشهور، بل هو تقويم يربط المسلم بالسماء وبحركة القمر وبمواسم العبادة من رمضان إلى الحج ومن المحرم إلى ذي الحجة.



