تحذير من تبعات التحول للدعم النقدي في الخبز
يبدو أن الحكومة ماضية في تنفيذ ما تراه صحيحًا في مسألة التحول للدعم النقدي بدلاً من العيني في ملف الخبز، وهنا لابد أن نقول بوضوح إنه لا يختلف اثنان على أن أي منظومة يثبت فيها فساد أو إهدار تستحق الإصلاح، بل إن الحفاظ على المال العام واجب لا خلاف عليه. وإذا كانت وزارة التموين تؤكد أن منظومة الخبز الحالية تهدر ما يقارب ثلاثين مليار جنيه سنويًا، فإن هذا الرقم — إن صح — يستوجب الحسم والمحاسبة، لا الجدل.
الخبز في مصر: أمن غذائي واجتماعي
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكون علاج فساد المنظومة بتغيير طبيعتها، أم بإصلاحها؟ فالخبز في مصر ليس سلعة عادية، وإنما يمثل أحد أهم ركائز الأمن الغذائي والاجتماعي. ملايين الأسر قد تستغني عن أصناف كثيرة من الطعام، لكنها لا تستطيع الاستغناء عن الرغيف. ولأسر كثيرة يظل الخبز هو الستر الأخير حين تضيق الأحوال وتتراجع الدخول.
تساؤلات حول آليات الدعم النقدي
لقد أوضح وزير التموين أن المواطن لن يكون ملزمًا بشراء رغيف وزن 70 جرامًا، وإنما سيحصل على دعم نقدي يستطيع به شراء أي وزن وفق الأسعار التي ستحددها الوزارة. غير أن هذا التوضيح يثير تساؤلات مشروعة أكثر مما يقدم إجابات حاسمة. فمن يضمن ألا تؤدي موجات التضخم المتلاحقة إلى تآكل القيمة الشرائية لذلك الدعم النقدي بعد أشهر قليلة؟ ومن يضمن بقاء سعر الرغيف داخل الحدود التي بُنيت عليها الدراسة؟ وإذا كانت الوزارة تعترف بأن نحو 60% من المخابز لا تلتزم أصلًا بوزن الرغيف الحالي، فكيف ستتمكن من مراقبة منظومة أكثر تعقيدًا تضم عدة أوزان وعدة أسعار؟
الرقابة أولاً قبل التغيير
إن الاعتراف بضعف الرقابة لا ينبغي أن يكون مبررًا للانتقال إلى نظام جديد، بل دافعًا لإصلاح جهاز الرقابة نفسه. فالدولة التي لا تستطيع إلزام المخبز بإنتاج رغيف واحد بالمواصفات المحددة، كيف ستضمن الالتزام بعدة أوزان وعدة أسعار في وقت واحد؟ ثم إن الفساد لا يُعالج دائمًا بنقل عبء المخاطرة إلى المواطن. فإذا كان الخلل في الرقابة، فالإصلاح يبدأ من الرقابة، وإذا كان الخلل في بعض المخابز، فالعلاج يكون بالمحاسبة الرادعة، لا بتغيير منظومة يعتمد عليها ملايين الفقراء.
دعوة لدراسة مستقلة وحوار مجتمعي
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى دراسة علمية مستقلة وشفافة تُنشر للرأي العام، تتضمن سيناريوهات التطبيق، وآليات حماية الدعم من التضخم، وخطط الرقابة، وحجم الوفر الحقيقي المتوقع مقارنة بالمخاطر الاجتماعية المحتملة. فالقضية ليست مجرد توفير مليارات، وإنما الحفاظ على استقرار مجتمع كامل. وفي المقابل، يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: ما حجم الوفر الذي تستهدفه الدولة من هذا التغيير إذا ما قورن بحجم الإنفاق العام وبأعباء خدمة الدين التي تلتهم سنويًا تريليونات الجنيهات؟ وهل ينبغي أن يبدأ ترشيد الإنفاق من رغيف الفقير قبل استنفاد كل فرص الإصلاح في بنود الإنفاق الأخرى؟
الاستقرار الاجتماعي أولوية
لسنا ضد الإصلاح، ولسنا مع استمرار الفساد، لكن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس فقط بما يوفره من أموال، بل بما يحافظ عليه من استقرار وثقة وعدالة. والرغيف في مصر ليس مجرد منتج غذائي، بل هو عنوان للسلم الاجتماعي، وأحد أعمدة الأمن القومي. لذلك، فإن التريث ليس تراجعًا، وإجراء حوار مجتمعي واسع ليس تعطيلًا، ونشر الدراسات للرأي العام ليس رفاهية. إنها خطوات واجبة عندما يتعلق الأمر بلقمة العيش التي تمس ملايين المواطنين. فالقرارات الاقتصادية يمكن تعديلها، أما إذا اهتزت ثقة المواطن في أمنه الغذائي، فإن كلفة استعادتها ستكون أكبر كثيرًا من أي وفر مالي يمكن تحقيقه.



