في مثل هذا اليوم من عام 1909، استيقظت مدينة الآستانة على واحد من أخطر المنعطفات في تاريخ الدولة العثمانية، حيث أقدمت جمعية “الاتحاد والترقي” على عزل السلطان عبد الحميد الثاني، منهيةً بذلك حكمًا استمر لثلاثة عقود من المناورة السياسية ومحاولات الحفاظ على وحدة “الرجل المريض”. ولم يكن هذا العزل مجرد تغيير في شخص الجالس على العرش، بل كان إعلانًا صريحًا عن نهاية سلطة السلطان وبداية عصر تسيطر فيه القوى العلمانية على مقادير الدولة.
كواليس عزل السلطان عبد الحميد
كانت الدولة العثمانية تغلي منذ إعلان الدستور عام 1908، وزادت حدة التوتر مع ما عرف بـ “واقعة 31 مارس” التي حاول فيها أنصار السلطان استعادة نفوذهم. ويرصد المؤرخ التركي يلماز أوزتونا في كتابه “تاريخ الدولة العثمانية” كيف تحرك جيش الحركة من سلانيك بقيادة محمود شوكت باشا لقمع التمرد، مبينًا أن قادة الاتحاد والترقي استغلوا هذه الفوضى لإحكام قبضتهم، حيث استصدروا فتوى شرعية من شيخ الإسلام بخلع السلطان بتهمة التسبب في الفتنة، وهو ما مهد الطريق لإبلاغه بقرار العزل في قصر يلدز وسط إجراءات أمنية مشددة.
ودخل وفد مكون من أربعة أعضاء بينهم يهودي وأرمني وألباني على السلطان عبد الحميد لإبلاغه بالعزل، وكانت بمثابة طعنة في رمزية الخلافة حسب المؤرخ العثماني أحمد صائب في مذكراته التاريخية، مؤكدًا أن السلطان استقبل الخبر بهدوء، طالبًا فقط ضمان سلامة عائلته، قبل أن يتم نفيه فورًا إلى جزيرة سلانيك.
ما بعد السلطان عبد الحميد
كان المشهد يمثل انتصارًا كاملًا للتيار القومي على التيار العثماني الذي كان يمثله عبد الحميد، وبداية تحول الدولة التركية الجديدة نحو الثقافة الغربية والصدام مع المكونات العربية. وترتب على هذا الحدث تداعيات زلزلت أركان المشرق العربي؛ إذ تصاعدت النزعات القومية والمطالبات بالاستقلال في الولايات العربية.
وبعد أن رحل السلطان عبد الحميد عن العرش، تولى شقيقه محمد رشاد الحكم بشكل صوري، لكن سقوط عبد الحميد كان المعول الذي مهد الطريق بعد سنوات قليلة لإسقاط الدولة العثمانية برمتها وإعادة رسم خارطة المنطقة في اتفاقية سايكس بيكو، لتظل هذه الذكرى شاهدة على اللحظة التي بدأ فيها العد التنازلي لنهاية الخلافة.



