تبدو الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى مشهد من أفلام الخيال العلمي: مدينة حديثة تختفي فيها السيارات من الشوارع، لتتحرك بالكامل عبر شبكة أنفاق ومسارات تحت الأرض، بينما تعلوها الأبراج اللامعة والواجهات الزجاجية والمساحات الخضراء. صورة براقة تُقدَّم باعتبارها مستقبل العمران، ونقلة حضارية تضع مصر في مصاف المدن الذكية العالمية. لكن خلف هذا البريق، تبرز أسئلة أكثر واقعية وإلحاحًا: لمن تُبنى هذه المدن؟ ومن يستطيع العيش فيها؟ ومن سيدفع تكلفة هذا الحلم الباهظ؟
تجارب عالمية لمدن تحت الأرض
فكرة فصل الحركة المرورية عن سطح المدينة ليست جديدة. مدن عديدة لجأت إليها لأسباب مختلفة. في مونتريال أُنشئت مدينة كاملة تحت الأرض تربط المراكز التجارية ومحطات المترو والمباني، ليس للترف، بل لمواجهة الشتاء القاسي والثلوج التي تعطل الحركة شهورًا. وفي هلسنكي استُخدمت المساحات تحت الأرض لتخزين المرافق العامة ومواقف السيارات ومراكز الحماية المدنية، بسبب طبيعة الأرض الصخرية والحاجة إلى الاستفادة القصوى من المساحة. وفي سنغافورة اتجه التخطيط العمراني إلى التوسع أسفل الأرض لأن المساحة الجغرافية المحدودة فرضت حلولًا غير تقليدية. أي إن هذه النماذج لم تُبنَ من أجل الوجاهة أو الاستعراض، بل استجابة لضرورات مناخية أو جغرافية أو اقتصادية واضحة.
تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية
أما حين يُطرح النموذج نفسه في دولة تعاني من ضغوط في الكهرباء والمياه وارتفاع تكاليف المعيشة، فالسؤال يصبح مشروعًا: هل نحن أمام احتياج حقيقي أم أمام رفاهية هندسية باهظة الثمن؟ تحويل حركة السيارات إلى باطن الأرض ليس مجرد فكرة جميلة في الإعلان، بل منظومة تشغيل هائلة: تهوية صناعية دائمة، تبريد مستمر، إضاءة لا تنطفئ، أنظمة شفط عوادم، مصاعد، مخارج طوارئ، مراقبة إلكترونية وصيانة لا تتوقف. هذه ليست تكلفة إنشاء فقط، بل فاتورة تشغيل يومية مفتوحة، ستنعكس في النهاية على أسعار الوحدات ورسوم الخدمات والصيانة.
الفئة المستهدفة: من يستطيع الشراء؟
ثم نأتي إلى السؤال الأكثر حساسية: الأسعار، عندما تُطرح وحدة بمساحة 68 مترًا بسعر يصل إلى 38 مليون جنيه، فمن هو المواطن المصري المقصود هنا؟ أي شريحة اجتماعية تستطيع دفع هذا الرقم؟ وهل متوسط الموظفين وأصحاب الأعمال الصغيرة والشباب المقبل على الزواج ضمن الفئة المستهدفة أصلًا؟ إذا كان سعر 68 مترًا يبلغ 38 مليونًا، فنحن لا نتحدث عن إسكان، بل عن منتج استثماري موجه لفئة شديدة الثراء، أو لرؤوس أموال تبحث عن حفظ القيمة، أو لمشترين أجانب. وهنا يحق للمواطن أن يسأل: لماذا تُستخدم موارد الدولة وأراضيها وبنيتها الأساسية لإقامة مشروعات لا يستطيع أغلب أبنائها الاقتراب منها؟
التطوير الحقيقي أم الصور المبهرة؟
المشكلة ليست في وجود إسكان فاخر، فهذا موجود في كل دول العالم، بل في أن يتحول الخطاب الرسمي إلى الاحتفاء بمدن لا تشبه المجتمع، ولا تُخاطب أزماته الحقيقية: أزمة السكن المتوسط، الإيجارات المرتفعة، الزحام، النقل العام، وتراجع القدرة الشرائية. لسنا ضد التطوير، ولا ضد المدن الحديثة، لكن التطوير الحقيقي يُقاس بعدد من يستطيعون الاستفادة منه، لا بعدد الصور المبهرة التي تُلتقط له. المدن الذكية ليست تلك التي تختفي فيها السيارات تحت الأرض، بل تلك التي يجد فيها المواطن العادي مكانًا فوق الأرض يعيش فيه بكرامة.
في النهاية، القضية ليست مدينة تحت الأرض، بل مواطن فوق الأرض يبحث عن بيت يناسب دخله، وحياة تناسب عمره، ووطن يشعر أنه بُني له... لا بعيدًا عنه.



