في حياة كل منا تواريخ لا تمر مرور الكرام، بل تقف عندها الساعة، وتستعيد فيها الروح تفاصيل الوجع. بالنسبة لي، كان هذا اليوم هو الأصعب، ذكرى رحيل رفيق الدرب وزوجي الغالي، الذي غادر عالمنا في مقتبل الشباب وفي بداية الثلاثينات، بعد صراع قصير جداً ومرير مع المرض اللعين الذي لم يمهله كثيراً، تاركاً خلفه إرثاً من الذكريات الموجعة وفراغاً لا يملأه سوى الصبر.
شريط الذكريات المرير
في مثل هذا اليوم من كل عام، يمر أمامي شريط ذكريات مرير لا يرحم، أرى فيه تفاصيل المرض اللعين الذي هجم فجأة، وصدمة الموت السريع الذي لم نكن مستعدين له. أستعيد لحظات الذهول حين وجدت نفسي فجأة وحيدة في مواجهة صمت البيت الذي كان يضج بالحياة، أواجه صدمة الفقد وكأنني أعيش كابوساً مخيفاً لا أستفيق منه، وأتحمل مسؤولية تربية طفلين صغيرين غاب عنهما السند والاحتواء. كان هذا اليوم دائماً هو موعدي السنوي مع الانكسار، حيث تجتمع آلام الماضي مع ثقل أحمال الحاضر.
لفتة غير متوقعة من الوطن
لكن، وكما يقولون دائماً إن الوطن ليس مجرد مكان، بل هو احتواء، جاءت جريدتي وبيتي الثاني، جريدة الوطن، لتغير بوصلة المشاعر في هذا اليوم الحزين. في اللحظة التي كنت أستعد فيها لمواجهة أحزاني السنوية، وأقضي هذا اليوم كل سنة في صراع بين آلام الفقد وحمل المسؤولية الثقيل الذي تركته الأقدار على عاتقي، بشكل لم أكن أتوقعه، وفي صدفة غريبة لم تكن الجريدة تعلم أن هذا اليوم هو ذكرى وفاته، فوجئت بترشيح الجريدة لي للتكريم كأم مثالية في نقابة الصحفيين.
التكريم كيد حنون
هذا الترشيح لم يكن مجرد ترشيح لدرع أو شهادة، بل كان بمثابة يد حنون تمتد لتطبطب على قلبي في ذروة ألمي، وتخبرني أن المشوار الطويل الذي سلكته وحدي لم يكن خفياً عن أعين رفاق الدرب. إن هذا التكريم في هذا التوقيت بالذات يحمل دلالات عميقة، فهو يؤكد أن المؤسسة الصحفية الحقيقية هي التي تدرك الجانب الإنساني لصحفييها، وتقدر نضال المرأة التي تجمع بين صاحبة الجلالة وبين مسؤولية تربية جيل في غياب الأب.
تحول الألم إلى فخر
لقد تحولت ذكرى الوفاة الموجعة هذا العام، بفضل هذه اللفتة الكريمة، إلى محطة للفخر والاعتزاز، وكأن القدر أراد أن يكافئني بصبر السنين في اليوم ذاته الذي شهد أكبر انكساراتي. كل الشكر لبيتي الثاني جريدة الوطن، ولنقابة الصحفيين، على هذا التقدير الذي أعتبره وساماً على صدري، ودافعاً للاستمرار في العطاء. لقد تحولت ذكرى الوفاة الموجعة هذا العام بفضلكم إلى محطة للفخر، وكأن القدر أراد أن يكافئني بصبر السنين في اليوم ذاته الذي شهد أكبر انكساراتي. شكراً لأنكم جعلتم من الوطن اسماً على مسمى، حضناً يداوي الجراح، ويجعل من ذكرى الانكسار يوماً للفخر والاعتزاز.



