عصام كامل يكتب: محمد شاهر.. اليمني النبيل الذي عشق صنعاء حتى الرمق الأخير
عصام كامل يكتب: محمد شاهر.. اليمني النبيل

عصام كامل

بعد رحلة من الكتابة والسياسة والثقافة، بعد رحلة بين عواصم عربية وتيارات عربية وأحلام عربية وشمس عربية، بعد معارك سياسية وصحفية وثقافية، بعد اشتباكات وانتصارات وهزائم، بعد ذكريات وطموحات وهموم وهواجس، لم أصدق عيناي وأنا أرى رفاقه وتلامذته ومحبيه يحملونه إلى مثواه الأخير بصنعاء التي عشقها حتى الرمق الأخير.

إنه الكاتب الصحفي اليمني محمد شاهر، أحد رموز الصحافة العربية، جاء إلى القاهرة حالمًا بدراسة الطب في وقت كانت العاصمة المصرية صانعة القرار العربي ومحراب القومية العربية وصاحبة الفعل الوطني الذي تعدى حدود الدولة المصرية لقيادة حركات التحرر العالمية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

كان الشاب اليمني قد جاء وحلمه وحلم عائلته أن يعود إليهم طبيبًا، يعالج الناس ويضمد جراحهم، في شوارع المحروسة وبين تجمعاتها ذاب محمد شاهر ليصبح شابًا عربيًا مهمومًا بما هو أكبر من هموم الطبيب، أصبح شاهر واحدًا من نشطاء الطلاب العرب، يحضر الندوات ويحاضر فيها، يلتقي مختلف التيارات ويتفاعل معها.

ورغم تفوقه في الطب فقد ندهته النداهة.. نداهة الصحافة، انتقل لدراسة الصحافة مع جيل واعد من شباب عربي كانت القاهرة حضنًا دافئًا يجمعهم، وبوتقة ثقافية تلقي بمكنوناتها على أحلامهم وطموحاتهم، كان الحلم العربي في قمته، وكان ناصر رمزًا تعدى حدود الوطن ليصبح أيقونة ضد الإمبريالية والاستعمار.

أيقن شاهر ورفاقه من الطلاب المصريين والعرب أنهم أمام فرصة تاريخية، وأنهم أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من عملية تغيير كبرى، كانت عواصم التحرير في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا كما لو أصبحت أمة واحدة، اجتمعوا على هدف واحد وغاية واحدة.. كان شاهر واحدًا منها وفيها.

وبين قاعات الدرس وصالات المحاضرات ورحابة المشهد السياسي الجامع، صاحب محمد شاهر ورافق أجيالًا عربية وشعراء عربًا وكتابًا عربًا يغنون نفس النشيد ويتجهون ببوصلة واحدة ضد التبعية وضد الاحتلال وضد كل عناصر الضعف والوهن العربي.

عاصر محمد شاهر مؤامرات ورأى بأم عينيه انكسارات وشارك في العديد من الانتصارات، ولم يتغير، كان كما هو، شابًا عروبيًا قوميًا يمنيًا يحلم مثل بسطاء الأمة ومثل مثقفيها ومثل فنانيها، عاش الحلم كما رسمته ريشة المخلصين في هذا العصر.

وبينما كان الحلم الذي انكسر في يونيه 1967، يعود إليه أمل الإصلاح، وبينما كان شاهر ومن معه يرون أن الأمل باقٍ، مات عبد الناصر، أغلق من خلفه باب الحياة وأصبح ذكرى ورمزًا، احتفت عواصم بالموت شماتة، وتظاهرت عواصم وهي تحمل نعشًا للرمز.

كان محمد شاهر مثل أقرانه يعيش تلك اللحظة الفارقة بين ماضٍ قريب حالم وواقع لا يعرفون إلى أين يسير، غير أنه ظل كما هو يعيش الحالة التي أقامت بكل عناصرها في عناصره، عاش بنفس اليقين أننا أمة لها تاريخ وأننا قادرون على صنع الفارق.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

قبل عام جاء شاهر إلى القاهرة في رحلته السنوية لمعاودة الأطباء، كانت السنوات قد نحتت على وجهه كل تجاعيد الرحلة الإنسانية العامرة بكل المرارات، كان كما هو صامدًا قويًا، قادرًا على التعايش مع المرض العضال الذي تسرب إلى أوصاله.

ورغم الإعياء الذي بدا عليه طلب مني أن نترك السيارة، ومضينا بين شوارع وميادين الدقي، هنا التقيت بفلان وعلى هذه الناصية تجمعنا ومضينا إلى محاضرة كذا، وهنا كان مطعمنا الذي نلتقي فيه شبابًا عربًا نحكي نفس الحكايات ونقص ذات القصص.

مضينا إلى مطعم الأسماك على نيل الجيزة، كان شاهر يحب هذا المكان، غاص بعينيه الذابلتين على صفحة النيل الخالد وقال: مات عبد الناصر فكان موته فقدًا يعادل مرارة الهزيمة، وكادت تتفرق بنا السبل، جاء السادات بخطاب مغاير لما كنا عليه.

تنهد وهو يقول: أنا الناصري الوحيد الذي جمع بين عشق عبد الناصر وحب السادات ولي أسبابي.. بعد وفاة عبد الناصر وتغير الأمور، مضت بنا الأيام كما لو كانت دهورًا طويلة، علمنا أن بلادنا تدير حوارات مع السلطات في مصر لإعادتنا، وكانت تلك مصيبة تعني تسليمنا لمصائر مجهولة.

عاش محمد شاهر لحظات انتصار مصر والعرب في حرب السادس من أكتوبر، عاش لحظاتها كما لم يعشها غيره، وبعد سنوات طلب السادات أن يلتقي بعدد كبير من الطلاب العرب وخصوصًا اليمنيين وشرح لهم في لقاء أبوي ما يحدث، وقال في نهاية لقائه بهم: مستحيل أسلم أولادي للمشانق، لن يعود أحد منكم إلا بتعهد رسمي يقضي بحمايتكم من أي مكروه.. وقد كان، وما أراده السادات تحقق.

عاد محمد شاهر إلى محبوبته التي عشقها حتى النفس الأخير.. عاد إلى صنعاء، بعد أيام من العودة طلبوه ورفاقه للقاء الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، وبعد مناقشات مستفيضة بين الرئيس والطلاب العائدين من القاهرة باغتهم واحدًا واحدًا بسؤال: ما هو التيار الذي كنت تنتمي إليه؟

كل الطلاب أجمعوا على أنهم كانوا طلابًا فقط يدرسون في الجامعات ولا شأن لهم بالسياسة، إلا محمد شاهر الذي وقف منتصبًا أمام الرئيس وقال: كنت أدفع اشتراكاتي يا ريس.. في إشارة إلى أنه لم يكن ولن يكون عميلًا لأحد، كان مؤمنًا بما يفعل ويدفع اشتراكاته من ماله.

أنهى علي عبد الله صالح اللقاء، وبينما يغادر الجميع القاعة قال الرئيس موجهًا كلامه لمحمد شاهر: أما أنت فلتبقَ، أريدك، أعجب علي عبد الله صالح بشجاعته وطلب منه العمل معه، وبدأت رحلة أخرى من رحلات محمد شاهر ليصبح بعد سنوات، في العام 1982، أحد مؤسسي المؤتمر الشعبي العام، ثم رئيسًا لتحرير صحيفته "الميثاق"، ووكيلًا لوزارة الإعلام لشؤون الصحافة. كان محمد شاهر يمنيًا يسير في شوارع القاهرة وفي أي عاصمة يزورها، رمزًا لأصالة شعبها، وعلامة من علامات صمود أبنائها، كان أبيًا، شامخًا، كريمًا.. سألته: متى ستعود إلى القاهرة؟ قال بيقين: يبدو أنها ستكون المرة الأخيرة.. وقد كانت!!