ذكرى ميلاد الإمام عبد الحليم محمود.. مسيرة عالم أزهري ومجدد الفكر الإسلامي
ذكرى ميلاد الإمام عبد الحليم محمود.. مسيرة عالم أزهري

تحل اليوم الثلاثاء، ذكرى ميلاد أحد كبار علماء الأزهر الشريف ورموز الفكر الإسلامي في العصر الحديث، فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور عبد الحليم محمود – رحمه الله – شيخ الجامع الأزهر الأسبق. وُلد في ١٢ مايو ١٩١٠م بعزبة أبو أحمد بقرية السلام التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية، ليصبح لاحقًا أحد أبرز المجددين في الفكر الإسلامي والدعوة الوسطية.

نشأة الإمام عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق

نشأ الإمام عبد الحليم محمود في بيئة علمية متدينة، فحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، والتحق بالأزهر الشريف حتى حصل على العالمية الأزهرية. ثم أُوفد في بعثة علمية إلى فرنسا، حيث نال درجة الدكتوراة من جامعة السوربون في الفلسفة الإسلامية، جامعًا بين الأصالة الأزهرية والانفتاح على الفكر الإنساني المعاصر.

وتدرج فضيلته في المناصب العلمية والدعوية؛ فكان عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية، ثم أمينًا عامًا له، وعُيّن وكيلًا للأزهر الشريف عام ١٩٧٠م، ثم تولى منصب وزير الأوقاف وشئون الأزهر قبل أن يتولى مشيخة الأزهر الشريف عام ١٩٧٣م؛ حيث عُرف بدفاعه القوي عن مكانة الأزهر وريادته العلمية والدعوية في العالم الإسلامي.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

نهضة الأزهر الشريف في عهد الشيخ عبد الحليم محمود

وشهد الأزهر في عهده نهضة علمية كبيرة، تمثلت في التوسع في إنشاء المعاهد الأزهرية، والاهتمام بالمكتبات والمصادر العلمية، إلى جانب جولاته الميدانية في القرى والمدن لدعم التعليم الأزهري ونشر الوعي الديني والفكري.

كما كان للإمام الأكبر دور وطني بارز خلال مرحلة نصر أكتوبر المجيد، حيث وقف داعمًا لقواتنا المسلحة ومؤازرًا لقرار الحرب، مؤكدًا أن معركة أكتوبر كانت معركة عقيدة وإرادة وكرامة. وصرّح من منبر الأزهر بأن «الجنود المصريين الذين يقاتلون لاسترداد الأرض المغتصبة هم في سبيل الله، ومن يُستشهد منهم فهو شهيد»، وهو ما كان له أثر بالغ في رفع الروح المعنوية في الجبهة وفي الداخل.

ولم يكتفِ الإمام الأكبر بالدعم المعنوي، بل وجّه بإيفاد القوافل الدعوية إلى جبهات القتال، وإرسال علماء الأزهر لرفع الروح الإيمانية لدى الجنود، كما دعّم القرار الوطني بكل قوة، في ملحمة جسدت تلاحم الأزهر مع الدولة في واحدة من أهم لحظات التاريخ المصري الحديث.

نشاط الشيخ عبد الحليم محمود خارج مصر

وامتد نشاط الإمام الأكبر خارج مصر، فشارك في المؤتمرات والملتقيات الإسلامية الدولية، ومثّل الأزهر في العديد من الدول العربية والإسلامية والأوروبية. وأسهم في تنظيم المؤسسات الدينية بالعراق، ووضع أسس التعليم الديني في قطر، وألقى المحاضرات والدروس في باكستان وماليزيا والكويت والإمارات. كما شارك في مؤتمرات الفكر الإسلامي والسيرة النبوية والمؤتمر الاقتصادي الإسلامي بلندن، مقدمًا رؤية إسلامية متكاملة لقضايا النهضة والحضارة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وعُرف الإمام عبد الحليم محمود بمواقفه القوية دفاعًا عن مكانة الأزهر واستقلاله، حيث تقدّم باستقالته عام ١٩٧٤م احتجاجًا على قرار انتقص من صلاحيات شيخ الأزهر، مؤكدًا أن الأمر يتعلق برسالة الأزهر وقيادته الروحية للعالم الإسلامي. وتمسّك بموقفه حتى أُعيدت للمنصب صلاحياته كاملة، فعاد إلى مباشرة مهام منصبه تقديرًا لمكانة الأزهر ودوره التاريخي.

وترك الإمام الأكبر تراثًا علميًّا وفكريًّا ضخمًا تجاوز مائة مؤلفٍ ما بين التأليف والتحقيق والترجمة، تناولت قضايا العقيدة والفلسفة والتصوف والفكر الإسلامي بالعربية والفرنسية. ومن أبرز مؤلفاته: الإسلام والعقل، أوروبا والإسلام، القرآن والنبي، منهج الإصلاح الإسلامي في المجتمع. إلى جانب تحقيقه لعدد من أمهات كتب التراث الإسلامي وترجمته لعدد من المؤلفات الفلسفية من الفرنسية إلى العربية.

وفاة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق

وبعد حياة حافلة بالعلم والإصلاح وخدمة قضايا الإسلام والمسلمين، انتقل الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور عبد الحليم محمود إلى رحمة الله تعالى يوم ١٧ أكتوبر ١٩٧٨م عقب عودته من أداء فريضة الحج. وصُلِّي عليه بالجامع الأزهر في جنازة رسمية مهيبة، تاركًا إرثًا علميًّا ودعويًّا خالدًا ما زال أثره حاضرًا في مسيرة الأزهر الشريف.