في ذكرى رحيله: أحمد بن طولون مهندس الاستقلال السياسي الأول لمصر في العصر الإسلامي
أحمد بن طولون مهندس الاستقلال السياسي لمصر

في مثل هذا اليوم من عام 884، رحل الفارس الذي غير وجه التاريخ المصري، أحمد بن طولون، بعد أن نجح في تحويل مصر من مجرد ولاية تابعة تُجبى أموالها للخارج إلى مركز إمبراطورية قوية ومستقلة. لم يكن رحيله مجرد غياب لحاكم، بل نهاية لفصل التأسيس الذي وضع حجر الأساس للدولة الطولونية، وهو ما يوثقه المؤرخ المصري تقي الدين المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار"، حيث استعرض كيف استطاع هذا القائد التركي الأصل أن يمتزج بالنسيج المصري ويؤسس دولة قوية الأركان.

من سامراء إلى الفسطاط: جذور أحمد بن طولون

ولد أحمد بن طولون في مدينة بغداد عام 835، ونشأ في سامراء وسط أجواء عسكرية صارمة، حيث كان والده طولون من الحرس التركي للخليفة. تميز منذ صغره بالذكاء والتقوى والقدرة القيادية، مما جعله محط أنظار الخلفاء العباسيين. بدأت علاقته بمصر حين اختاره زوج أمه، بايكباك التركي، لينوب عنه في ولاية مصر عام 868، ودخل ابن طولون الفسطاط وهو يدرك أن مصر بموقعها وثرواتها يمكن أن تكون قاعدة لملك عظيم، وهو ما يشير إليه المؤرخ البريطاني ستانلي لين بول في كتابه "تاريخ مصر في العصور الوسطى"، موضحًا أن تكوينه العسكري الثقافي جعله يطمح لما هو أبعد من مجرد جابي ضرائب.

قصة تأسيس الدولة الطولونية

تدرج ابن طولون في مناصب الدولة بذكاء سياسي فائق؛ بدأ بالسيطرة على الشؤون المالية التي كانت بيد ابن المدبر، ثم استمال قلوب المصريين بإلغاء الضرائب الجائرة والاهتمام بالزراعة والري. ومع ضعف الخلافة العباسية في سامراء، استغل ابن طولون هذه الفجوة ليؤسس جيشًا ضخمًا من المماليك الترك والديلم والسودان، يدينون له بالولاء الشخصي. وبنى عاصمته الجديدة القطائع لتكون رمزًا لاستقلاله، وشيد مسجده الشهير ليكون منارة للعلم والسيادة، معلنًا بذلك قيام الدولة الطولونية كأول دولة تنفصل عن الخلافة مركزيًا مع الحفاظ على التبعية الاسمية فقط.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وتأسست الدولة الطولونية على مبادئ واضحة، أهمها تحقيق العدالة الاجتماعية، والاعتماد على جيش نظامي قوي لحماية الحدود، وتنشيط الحركة التجارية والاقتصادية. كان هدف ابن طولون الرئيسي هو تحويل مصر إلى قوة إقليمية قادرة على التوسع، وبالفعل ضم بلاد الشام والثغور ليؤمن حدود مصر الشمالية. كما اهتم بالمنشآت الخيرية والعلمية، فأسس البيمارستان لعلاج الفقراء مجانًا، مما خلق له حاضنة شعبية وجماهيرية واسعة جعلت المصريين يلتفون حوله ضد أي محاولة عباسية لاستعادة السيطرة المباشرة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

استمرت الدولة الطولونية قرابة 37 عامًا، حيث تعاقب على حكمها أبناء ابن طولون وأحفاده، ومن أبرزهم ابنه خمارويه الذي حافظ على اتساع الدولة وقوتها. وبالرغم من عودة مصر مرة أخرى للسيادة العباسية المباشرة في عام 905، إلا أن التجربة الطولونية تركت إرثًا لا يمحى في الشخصية المصرية؛ فقد أثبتت أن مصر يمكنها أن تقود المنطقة وتكتفي بذاتها اقتصاديًا وعسكريًا. رحل ابن طولون في مثل هذا اليوم، لكنه ترك وراءه مدرسة في الحكم والسياسة ألهمت لاحقًا الإخشيديين والفاطميين للسير على خطى الاستقلال ذاتها.