غاب الشاعر والكاتب الكبير سمير عبد الباقي، لكن صوته ظل عالقًا في ذاكرة الثقافة المصرية، كأحد أبناء الريف الذين حملوا الحلم على أكتافهم، ومضوا به من شوارع القرى البسيطة إلى ساحات الشعر والمسرح والعمل الثقافي. رحل اليوم صاحب التجربة الإنسانية الثرية، بعدما ترك خلفه عشرات الدواوين، وأجيالًا من الأطفال والقراء الذين عرفوا في كتاباته معنى الوطن والمقاومة والجمال.
نشأة ومسيرة
ولد سمير عبد الباقي بقرية ميت سلسيل بمحافظة الدقهلية في 15 مارس عام 1939، ودرس الاقتصاد الزراعي قبل أن ينحاز إلى شغفه الحقيقي بالفن والأدب، فالتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية وحصل على دبلوم الدراسات العليا. ومنذ بداياته، بدا واضحًا أنه لا ينتمي إلى نموذج المثقف المنعزل، بل إلى جيل رأى الثقافة فعلًا يوميًا مرتبطًا بالناس وقضاياهم.
مع العدوان الثلاثي على مصر، انخرط الشاعر الشاب في العمل الوطني، فشارك مع شباب قريته في تشكيل لجان لاستقبال مهجري بورسعيد والتدريب على المقاومة الشعبية، وهي التجربة التي صاغت وعيه الإبداعي والسياسي لاحقًا. وفي تلك السنوات المبكرة، أصدر مجلة حائط داخل قريته، وشارك في تقديم عروض مسرحية بإمكانات بسيطة، مؤمنًا بأن الفن يمكن أن يولد حتى في أصعب الظروف.
مناصب ثقافية
امتدت رحلة سمير عبد الباقي داخل المؤسسات الثقافية المصرية، فتولى مناصب عدة، منها مدير عام الثقافة العامة بالثقافة الجماهيرية، ثم مستشارًا ثقافيًا لقطاع الفنون الشعبية، ومديرًا عامًا للإدارة العامة للتفرغ بوزارة الثقافة. وخلال هذه المسيرة، ظل وفيًا لفكرة الثقافة الشعبية القادرة على الوصول إلى الناس في القرى والأقاليم.
إنتاج غزير
على مستوى الإبداع، كان شاعرًا غزير الإنتاج؛ إذ بلغ رصيده حتى عام 2022 نحو أربعين ديوانًا شعريًا، بينها ستة دواوين مخصصة للأطفال، إلى جانب كتاباته في المسرح والدراسات النقدية. كما ساهم في تأسيس وتحرير عدد من المجلات والصحف الأدبية، من بينها “صوت الفلاحين” التي رفعت شعار “الأرض والديمقراطية”، و“المقاومة الشعبية”، و“شمروخ الأراجوز”، فضلًا عن مشاركاته الواسعة في المؤتمرات والمهرجانات الخاصة بثقافة الطفل.
ويُعتبر سمير عبد الباقي واحدًا من الأصوات التي جمعت بين الشعر والموقف، وبين الإبداع والعمل العام، لكنه يترك إرثًا طويلًا سيبقى شاهدًا على رحلة شاعر عاش منحازًا للناس، وللكلمة التي تقاوم النسيان.



