السيارات الغربية المصنعة في الصين تقتحم أسواق أوروبا
السيارات الغربية من الصين تغزو أوروبا

كشفت صحيفة فاينانشيال تايمز عن تصاعد لافت في وتيرة دخول السيارات الغربية التي تُصنع في الصين إلى الأسواق الأوروبية، في تطور يعكس تحولات عميقة في سلاسل التوريد وصناعة السيارات العالمية. يأتي هذا التوسع في وقت تشهد فيه أوروبا منافسة متزايدة بين العلامات التقليدية والمصنعين الصينيين، وسط ضغوط تتعلق بالتكاليف والتحول نحو السيارات الكهربائية، مما يضع الصناعة الأوروبية أمام مرحلة إعادة تموضع حاسمة.

شراكة استراتيجية بين ستيلانتيس ودونجفنج

تضيف فاينانشيال تايمز أنه في سبعينيات القرن الماضي، بدأت شركة دونجفنج (التي تعني بالصينية رياح الشرق) مسيرتها لتصنيع السيارات باستيراد الشاحنات الأمريكية لإنتاج مركبات عسكرية. والآن، وبعد مرور ما يقارب ستين عامًا، تتعاون شركة ستيلانتيس، المالكة لعلامة جيب التجارية الأمريكية الشهيرة، مع دونجفنج لإطلاق نسخة كهربائية من جيب للمستهلكين في الصين والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.

لفتت الصحيفة البريطانية، في تحقيق موسع من شنغهاي ولندن، إلى أن مثل هذه الشراكة تجسد اتجاهًا يسترعي الانتباه لأنه يعيد تشكيل صناعة السيارات العالمية، حيث تستفيد شركات تصنيع السيارات العالمية، التي تعاني تحولًا مكلفًا إلى السيارات الكهربائية، من قدرات الصين الإنتاجية المتقدمة والفعالة من حيث التكلفة. تسهم الكيانات الأجنبية حاليًا بنحو خُمسَي صادرات السيارات الصينية إلى أوروبا (ما يعادل 40 في المائة)، مما يعكس اعتمادًا كبيرًا على المشاريع المشتركة مع الشركات المحلية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مزايا التصنيع في الصين

يؤكد خبراء مثل تشانج يو من شركة أوتوموتيف فورسايت على مزايا التصنيع التي توفرها الصين، حيث تستخدم العديد من شركات السيارات الأجنبية بشكل متزايد المصانع الصينية لإنتاج سيارات للتصدير. وقد وسعت شركات مثل فولكس فاجن وبي إم دبليو ونيسان من صادراتها من الصين إلى أسواق عالمية مختلفة في ظل الرسوم الجمركية الأمريكية الصارمة التي قلصت بشكل كبير واردات السيارات الصينية إلى الولايات المتحدة. في المقابل، لا تزال أوروبا سوقًا حيوية رغم رسومها الجمركية المرتفعة، مما يدفع علامات تجارية مثل مازدا ونيسان إلى تكثيف جهودها لتصدير السيارات المصنعة في الصين إلى هذه المنطقة.

يرى المسؤول في بنك إتش إس بي سي، يوتشيان دينج، أن هذا التحول يمثل إعادة تنظيم عالمية لقاعدة الإنتاج، على غرار التحول التاريخي لشركات صناعة السيارات الأمريكية من ديترويت إلى المكسيك. ومع تزايد أهمية الصين ليس كمركز تصنيع منخفض التكلفة فحسب، بل أيضًا كقائدة في مجال التكنولوجيا وكفاءة سلاسل التوريد، يعتبر مسؤولون تنفيذيون في قطاع السيارات الغربي أن هذه الاستراتيجية ضرورية لتعزيز القدرة التنافسية. مع ذلك، يرى النقاد أن توجه شركات تصنيع السيارات الأوروبية نحو الصين مدفوع باليأس في ظل انخفاض المبيعات ووجود طاقات إنتاجية غير مستغلة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الصين المصدّر الرئيسي للسيارات

تشير فاينانشيال تايمز إلى أن الصين تعد حتى الآن المصدّر الرئيسي للسيارات عالميًا، مع ارتفاع حاد في صادرات سيارات الركاب من أقل من مليون سيارة في عام 2020 إلى أكثر من 7 ملايين سيارة في العام الماضي. وتكشف النتائج الأولية لعام 2026 عن زخم قوي ومستمر، مع ارتفاع الشحنات بنسبة 61 في المائة. يعزى هذا النمو السريع إلى فائض الطاقة الإنتاجية وهوامش الربح الضئيلة في السوق المحلية، والتي تفاقمت بسبب تباطؤ نمو السيارات الكهربائية نتيجة لانخفاض الدعم الحكومي للمستهلكين. تقوم شركات صناعة السيارات الصينية الرائدة مثل جيلي وشيري إنترناشونال برفع أهداف التصدير بقوة، لتحقق نجاحًا ملحوظًا، حيث أصبح طراز جايكو 7 من شيري السيارة الجديدة الأكثر مبيعًا في المملكة المتحدة بعد فترة وجيزة من إطلاقه.

يشير خبراء إلى أنه في حين كانت استراتيجية التصدير هذه تهدف في البداية إلى إدارة فائض الطاقة الإنتاجية، فإنها باتت تركز بشكل متزايد على تعزيز الربحية. يتضح هذا التحول في ازدياد شعبية السيارات الكهربائية والهجينة، التي شكلت 44% من صادرات السيارات الصينية في أوائل عام 2026، مقارنة بـ7% فقط قبل خمس سنوات. تدرك العلامات التجارية الأجنبية، التي تأسس العديد منها من خلال مشاريع مشتركة مع شركات محلية، فوائد الاستفادة من قوة التصنيع الصينية لتلبية الطلب المحلي والتصدير الدولي.

تحديات جيوسياسية وتنافسية

يزيد المشهد الاقتصادي العالمي المتغير من تعقيد الأمور، فمع اشتداد المنافسة داخل الصين وتزايد ضغوط الإنتاج، أصبح التصدير استراتيجية عملية للاستفادة المثلى من القدرات التصنيعية المحلية. بينما كانت التوقعات الأولية تشير إلى تركيز مصنعي السيارات الغربيين على الإنتاج المحلي بمنتجات صُنعت في الصين من أجل الصين، يشير الاتجاه السائد إلى استراتيجية أوسع نطاقًا تستغل نقاط القوة التصنيعية الصينية للأسواق العالمية، مع مواجهة المنافسة المتزايدة في الأسواق المحلية.

بينت فاينانشيال تايمز أن شركة نيسان تخطط لزيادة صادراتها من السيارات من الصين بشكل ملحوظ لتصل إلى 300 ألف وحدة بحلول عام 2030، وذلك بإطلاق طرازين كهربائيين بالكامل، هما سيارة سيدان طراز إن 7 وشاحنة بيك أب طراز فرونتير برو، لأسواق تشمل أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط. أكد الرئيس التنفيذي إيفان إسبينوزا على ربحية هذه الصادرات كاستجابة استراتيجية للمنافسة من مصنعي السيارات الصينيين، في ظل وجود خطط مستقبلية محتملة للمبيعات في أوروبا.

يعكس هذا التحول تغييرًا جوهريًا لشركات صناعة السيارات العالمية، ولاسيما المصنعين الأوروبيين والآسيويين، الذين لطالما تبادلوا الخبرات مع شركائهم الصينيين. في ظل التطور المتزايد في صناعة السيارات الكهربائية في الصين، إلى جانب أسعارها التنافسية التي تصل إلى 30% أقل من الإنتاج في الاقتصادات المتقدمة بفضل انخفاض تكاليف البطاريات، فإن ذلك كله يشكل تحديات أمام شركات صناعة السيارات التقليدية.

يشير محللون مثل جريجور ويليامز من شركة روديوم إلى أن شركات مثل فولكس فاجن وبي إم دبليو تفكر حاليًا في زيادة صادراتها من الصين، على الرغم من المخاوف من تأثر عملياتها المحلية سلبًا بانخفاض الطلب. مع تصاعد التوترات الجيوسياسية المحيطة بسياسات التصنيع الصينية، ينتقد القادة الأوروبيون استراتيجياتها التي تركز على التصدير، بحجة إخلالها بالتجارة العالمية. ولمعالجة مشكلة عدم استغلال المصانع المحلية بالشكل الأمثل، تتجه بعض الدول الأوروبية إلى تبني سياسات جديدة.

قانون تسريع الصناعة الأوروبي

قالت فاينانشيال تايمز إنه استجابة لتنامي النفوذ الصيني، اقترحت المفوضية الأوروبية قانون تسريع الصناعة لتعزيز معايير التصنيع المحلية في قطاع السيارات. ينص هذا القانون على أنه بحلول عام 2030، يجب إنتاج نصف الأنظمة الإلكترونية الرئيسية في المركبات على الأقل داخل الاتحاد الأوروبي للتأهل للحصول على الدعم الحكومي. مع ذلك، لا تزال فعاليته غير مؤكدة، وقد تدفع المخاوف المتزايدة بشأن الأمن السيبراني إلى اتخاذ تدابير أكثر تقييدًا ضد التكنولوجيا الصينية.

أشارت الصحيفة إلى أن التفاعل بين قطاعي السيارات الأوروبي والصيني يمثل عملية موازنة معقدة بالنسبة لصناع السياسات. فبينما يحذر بعض المحللين من المخاطر المرتبطة بتعميق اندماج التكنولوجيا الصينية، يتوقع آخرون تدفقًا تدريجيًا للأنظمة المتقدمة إلى الأسواق الخارجية، مما يؤكد ضرورة قيام الشركاء الأوروبيين بإنشاء بنية تحتية محلية للامتثال. رأت فاينانشيال تايمز أن العلاقة المتطورة بين هذين العملاقين في مجال التصنيع قد تعيد تعريف معايير صناعة السيارات العالمية، مما يطرح تساؤلات جوهرية بشأن القدرة التنافسية والاستقلال التكنولوجي.