لقد آن الأوان لرد الاعتبار لبعض الشخصيات الوطنية التي قدّمت لوطنها خدمات جليلة، لكنها تعرضت لحملات تشويه متعمدة بسبب صراعات سياسية وتصفية حسابات. ومن بين هذه الشخصيات اللواء صلاح نصر، مؤسس جهاز المخابرات العامة الأسبق، وأحد أفضل من تولوا هذا المنصب ليس في مصر فقط بل على مستوى العالم. ففي عهده حقق الجهاز بطولات كبيرة في حماية الأمن القومي، وأسهم بدور مهم في الإعداد لنصر أكتوبر العظيم، وقد جسدت الدراما المصرية بعضًا من تلك البطولات.
وكذلك الدكتور يوسف والي، وزير الزراعة الأسبق، الذي أفنى عمره في خدمة وطنه. فكل من تعامل معه عن قرب يؤكد أنه كان رجلًا وطنيًا مخلصًا، كرّس جهده للعمل العام. كما أن استمراره في منصبه لفترة طويلة، إلى جانب توليه منصب الأمين العام للحزب الحاكم آنذاك، أتاح له فرصة تنفيذ رؤية أسهمت في النهوض بالقطاع الزراعي، الذي لم يشهد بعد رحيله تطورًا مماثلًا. دون أن يُعد ذلك انتقاصًا ممن جاءوا بعده؛ فقد تعاقب على الوزارة 17 وزيرًا خلال 22 عامًا، وربما لم تتوافر لهم الظروف أو المقومات نفسها.
تعرض يوسف والي على مدار سنوات طويلة لحملات من الاتهامات والتشويه أثرت على صورته وسمعة أسرته، وهو الرجل الزاهد في المناصب ومظاهر السلطة، كرّس حياته للعمل العام، وعاش بلا زوجة أو أبناء، وكأنه وهب عمره كله لخدمة بلده. ظل يوسف والي وزيرًا للزراعة لما يقرب من 23 عامًا، عمل خلالها لساعات طويلة كانت تمتد أحيانًا إلى عشرين ساعة يوميًا، وواجه خلال مسيرته العديد من الاتهامات، خاصة بعد أحداث يناير 2011، قبل أن تصدر أحكام قضائية ببراءته من الاتهامات المنسوبة إليه.
حياة البساطة والتقشف
كان لدى والي التزام ديني وحرص على أداء العبادات، وحياته الشخصية اتسمت بالبساطة والتقشف، ومع ذلك امتدت الشائعات والاتهامات حتى شككت في ديانته وأصوله العائلية. والكتابة عن يوسف والي اليوم لن تضيف إليه ولن تنتقص منه شيئًا؛ فقد رحل إلى دار الحق، لكن الحديث هنا عن تجربة تستحق التأمل. فقد شهد قطاع الزراعة في عهده طفرة كبيرة في مشروعات استصلاح الأراضي والتوسع الزراعي وزيادة الإنتاجية من خلال الاعتماد على البحث العلمي، وهي سياسات أسهمت في دعم الأمن الغذائي لمصر في ظل الزيادة السكانية المتسارعة.
لقاء قبل الرحيل
وقبل وفاته بأشهر قليلة، جمعتني به جلسة طالما تمنيت حدوثها منذ مغادرته الوزارة عام 2004. كان هناك سؤال ظل يشغلني: لماذا ظل الفلاح يشعر باليُتم بعد رحيله عن المنصب؟ أجابني بأنه كان يحرص على ألا يتحمل الفلاح أعباء إضافية، بل الدولة تتحمل عنه، لأن الفلاح في نظره هو عصب الزراعة والاقتصاد، وأن وزير الزراعة يجب أن يكون محاميًا للفلاح ومدافعًا عن مصالحه.
وبفكر إنتاجي، تبنى والي سياسات هدفت إلى تشجيع استصلاح الأراضي وزراعة أكثر من مليوني فدان، فتحولت مساحات واسعة من الطرق الصحراوية إلى بساتين ومناطق إنتاجية، لم تسهم فقط في تحقيق الأمن الغذائي، بل أصبحت مصدرًا لجلب مليارات الدولارات من الصادرات الزراعية. كما ارتبط اسمه ببرامج ترشيد استخدام المبيدات الزراعية، حيث انخفضت الكميات المستخدمة في عهده من 38 ألف طن إلى 4 آلاف فقط. ومع ذلك، ظلت الاتهامات المرتبطة بما عُرف إعلاميًا بقضية "المبيدات المسرطنة" واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل، حتى بعد أن حصل على أحكام قضائية بالبراءة.
تواضع نادر
ومن الأمور التي كان يتحدث عنها من عرفوه عن قرب تواضعه الشديد؛ إذ كان يجلس إلى جوار سائقه وأحيانا في سيارة أجرة أو نقل، ويتحرك دون حراسة، ولا يقبل الهدايا ولا يرغب في السفر ويبتعد عن مظاهر النفوذ رغم مكانته السياسية الكبيرة آنذاك. كنت شاهدا وأيضا خلال ثماني سنوات من عملي مستشارًا إعلاميًا لوزارة الزراعة، سمعت الكثير من الحكايات عن مواقفه الإنسانية مع الفلاحين والعاملين والبسطاء والضعفاء، مواقف يصعب على العقل استيعابها، ولا تصدر إلا عن أصحاب القلوب الزاهدة والنفوس الصافية، مواقف وأفعال لا يمكن أن يكون صاحبها خائن أو فاسد أو فاشل.
إن الكتابة عن رجل رحل ليست محاولة لصناعة بطولة جديدة، لكنها رسالة وفاء لقيمة ينبغي أن تبقى حاضرة؛ أن مصر لا يجب أن تنسى أبناءها الذين اجتهدوا في خدمتها، حتى وإن اختلف الناس حولهم، أو ظلمتهم صفحات التاريخ.



